كتاب وشعراء

رجل مثير للغياب . . . هيثم الأمين تونس

هذا المساء،
سألتني الأشياءُ كثيرا عنكِ…
أنا، بدوري، سألتُ كثيرا
وجهك الذي في المدينة البعيدةِ
عنكِ
وكان حزني يجلس عند النّافذةِ
ويراقب العابرين كطفل يتيم ينتظر عودة أمّه من السّماءْ!
قالت جواربك الطّويلة التي نسيتها تحت الطّاولة:
إنّكِ لا تحبّين الرّجال العاديّين
والّذين يربّون الحزن في تفاصيل حبيباتهمْ
وإنّي رجل مثير للغيابْ!
ما بقي من الشّاي في كوبكِ، فوق الطّاولةِ
مازال يؤكّدُ لي
أنّك قد غادرت على عجلٍ
لهذا لم يكُن لديكِ متّسعٌ من العناقْ
لتطالبينني بأن أعتني بقبلتنا الأخيرة التي خبّأناها في علبة السّكّرْ
وبأن لا أحرّض أصابعي على البكاء!
وقال، أيضا
إنّك قد تركت لي ابتسامة خفيفة على مرآة الحمّامْ
لكنّ وجهي الذي في غيابكِ
قد مسحها على وجه الخطإ
ولم يعتذر لي
ولا لكلّ أشيائنا التي سألتني كثيرا عنكِ…
أخبريني الآنَ
– وأنتِ في الغيابْ –
كيف أبرّرُ لأصابعي
أن لا جدوى من إحراج هذا الصّمتِ بنشيج القصائدِ؟!
كيف أبرّر لحزني أن لا جدوى
من التهامي كاملا
وأنّ النّوافذ والعابرين مجرّد كذبةٍ بيضاء؟!
وكيف أشرح لوجهي الذي في غيابكِ
ولا يشبهُ أزهار القرنفل في شيءْ
أنّه يشبه،
تماما،
وجهي الذي على مشارف ابتسامتكِ؟!
وأنا.. أسألكِ الآن:
كيف أنتِ في الغياب؟!
كيف أنتِ
وأنتِ تسرّحين شعركِ بعيدا عن رجل عاديْ؛
رجل يربّي حزنه في ضفيرتِكِ
ويُحبّكِ ككلّ الرّجال العاديّين؟
أأحزنك المطر الخفيفْ
وهو يتساقطُ من القصيدة؟!
أتشتهين الرّقص تحت هذا المطر الخفيفْ
وأنتِ بطلة هذه القصيدة؟!
يا سيّدتي
مُرّة هذه القهوةُ
رغم كلّ هذا السّكّر فيها
ورغم قبلتنا في علبة السّكّرِ
فاغفري لي
إن أنا حرّضتُ أصابعي على البكاءْ
فليس لرجل عاديّ مثلي
يربّي الحزن عند نافذة امرأة غائبةٍ
أن يتشاجرَ معكِ أو أن يلومكِ
فما أنا إلّا رجل مثير للغياب…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى