رؤي ومقالات

علي أبو حبلة يكتب :هل المستهدف النظام السياسي الفلسطيني؟ ومن يملك قرار البديل؟

لم يعد السؤال الفلسطيني مقتصراً على مستقبل قطاع غزة أو شكل الإدارة التي ستتولى مسؤولياتها في مرحلة ما بعد الحرب، بل بات يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقاً: هل يجري العمل على إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني، ومن سيحدد ملامح البديل؟

طرح هذا السؤال لا يعني الجزم بوجود «مخطط سري» واحد، فهذا استنتاج يحتاج إلى وثائق وأدلة مباشرة. لكن قراءة المشهد السياسي تظهر وجود ضغوط ومصالح ومشاريع متقاطعة، إسرائيلية وأمريكية وإقليمية وفلسطينية، يمكن أن تقود عملياً إلى إعادة تعريف وظيفة النظام السياسي الفلسطيني وحدود قدرته على اتخاذ القرار.

فالسلطة الوطنية الفلسطينية، ومنظمة التحرير، والرئاسة، والحكومة، والمجلس التشريعي، والفصائل والقوى السياسية، تشكل في مجموعها مكونات النظام السياسي الفلسطيني. وأي تغيير جوهري في وظيفة أحدها ينعكس على البنية السياسية برمتها.

ومنذ الانقسام عام 2007، نشأ واقع مؤسسي وسياسي مزدوج بين الضفة الغربية وقطاع غزة، أضعف وحدة القرار الوطني. واليوم، مع ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب، يبرز السؤال: هل ستكون إعادة إعمار غزة وإدارتها مدخلاً لإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، أم ستنشأ ترتيبات منفصلة يمكن أن تتحول مع الوقت إلى واقع سياسي دائم؟

من أزمة السلطة إلى أزمة النظام

المسألة لم تعد مرتبطة بأداء حكومة أو مستقبل قيادة، وإنما بأزمة أوسع تتعلق بالشرعية وبنية النظام السياسي ذاته. والخطر لا يكمن في التغيير السياسي، بل في أن يحدث التغيير عبر الفراغ.

فإذا أُضعفت السلطة دون بناء بديل وطني، أو جرى تجاوز منظمة التحرير بدلاً من إصلاحها، أو أصبحت غزة تدار ضمن ترتيبات منفصلة، فقد تتجه القضية نحو نموذج تقتصر فيه المؤسسات الفلسطينية على إدارة الشؤون المدنية والخدمات، بينما تبقى ملفات السيادة والأمن والحدود والموارد خارج نطاق القرار الفلسطيني.

وهذا يعني عملياً تغيير وظيفة النظام السياسي وليس مجرد تغيير الحكومة أو الأشخاص.

الانتخابات: فرصة أم إعادة إنتاج للأزمة؟

تكتسب الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 أهمية استثنائية، لأنها تأتي بعد سنوات طويلة من غياب الانتخابات وفي ظل انقسام سياسي ومؤسسي عميق.

لكن الانتخابات وحدها لا تكفي. فالسؤال ليس فقط هل ستجرى، وإنما هل ستكون شاملة ونزيهة، وهل ستشارك فيها القوى السياسية كافة، وهل ستؤدي نتائجها إلى توحيد المؤسسات أم إلى إعادة إنتاج الانقسام بصورة جديدة؟

ولهذا يجب أن تكون الانتخابات مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد الشرعية، لا مجرد وسيلة لإعادة توزيع المقاعد والمواقع.

ما البديل؟

البديل الوطني لا ينبغي أن يكون إلغاء السلطة واستبدالها بهيئة أخرى، ولا إنشاء إدارة منفصلة لغزة، ولا تحويل حكومة تكنوقراط إلى بديل دائم عن السياسة.

البديل هو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني من الداخل، من خلال إعادة بناء منظمة التحرير على أساس الشراكة الوطنية، وإجراء انتخابات عامة شاملة، وإنهاء الانقسام المؤسسي بين الضفة وغزة، وإعادة تنظيم العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة، وتعزيز سيادة القانون والفصل بين السلطات والمساءلة.

كما أن إصلاح النظام السياسي يجب أن يشمل الفلسطينيين في الداخل والخارج، لأن الشرعية الوطنية لا تختزل في الضفة وغزة وحدهما، وإنما تشمل القدس والشتات واللاجئين.

من يحدد المستقبل؟

المشهد المقبل أمام ثلاثة احتمالات: إعادة بناء وطنية حقيقية تعيد توحيد المؤسسات وتجدد الشرعية؛ أو إعادة إنتاج الأزمة من خلال انتخابات لا تعالج جذور الانقسام؛ أو ترك الفراغ السياسي والمؤسسي للترتيبات الإقليمية والدولية كي تعيد تشكيل النظام وفق مصالحها.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية.

فالمطلوب ليس الدفاع عن الوضع القائم لمجرد أنه قائم، ولا القفز إلى المجهول تحت شعار التغيير، وإنما إصلاح وطني عميق يعيد بناء الشرعية والمؤسسات ويحافظ على وحدة القرار الوطني.

إن البديل عن النظام السياسي الفلسطيني يجب أن يصنعه الفلسطينيون، لا أن يُفرض عليهم من الخارج.

فالمرحلة المقبلة ليست معركة على حكومة أو فصيل أو موقع، وإنما معركة على حق الشعب الفلسطيني في أن يحدد بنفسه شكل نظامه السياسي ومستقبل مشروعه الوطني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى