رؤي ومقالات

د.أسامه حمدي يكتب :معضلة الديون، وكيف حلها عبقري البرازيل؟

كثر الحديث في مصر في الآونة الأخيرة عن الحالة الاقتصادية المُركَبة، ومعضلة سداد الديون، بعد أن أضطرت الدولة لبيع بعض أصولها الثمينة، وأقترح البعض مؤخرًا رهن أو بيع أصول أخري. ومن واقع سفري للعشرات من دول العالم والدراسة المستفيضة لتجاربهم الاقتصادية والصحية والتعليمية، أنقل لكم اليوم تجربة البرازيل في التحول من الدين الثقيل وشفى الافلاس، الى الإنتعاش الاقتصادي المذهل.
أولا، لا يمكن- بأى حال من الأحوال- مقارنة حالنا أو حال أي دولة أخرى بحال البرازيل قبل عام ١٩٩٤؛ فقد وصل معدل التضخم آنذاك إلى ٣٠٪ (شهريًّا وليس سنويًّا) وأصبحت الدولة على وشك الإفلاس تمامًا بعد فشل كثير من الخطط الهادفة إلى إعادة الاستقرار الاقتصادي، وعجزت الدولة تمامًا عن سداد فوائد قروضها بالعملة الصعبة لعدم توافرها. قال لي أصدقائي البرازيليين إن أسعار السلع وقتها كانت تتغير ثلاث مرات في اليوم الواحد مع اختفاء كثير من السلع من الأسواق! وكان الراتب يتغير شهريًّا في محاولة يائسة لمواكبة التضخم، وانحسرت تمامًا الاستثمارات الخارجية مع تفشي الفساد والجريمة، وهما مرادفان طبيعيان للتدهور الاقتصادي. حاولت الحكومات المتعاقبة بخطوات يائسة الخروج من الأزمة، مرة عن طريق خفض الاستيراد، مما شل الإنتاج، ومرة بتحديد نسب السحب والإبداع والتحويل، مما عاق حركة المواطنين داخليًّا وخارجيًّا، وأخيرًا بتجميد الأرصدة بالعملة الصعبة التي تزيد على ألف دولار في البنوك، ولكنها فشلت تمامًا في وقف التضخم والانهيار الاقتصادي.
فكيف استطاع أستاذ الاجتماع والعبقري فرناندو كاردوسو إخراج البرازيل من هذا النفق المظلم للتحول في سنوات معدودة من الانهيار الاقتصادي إلى واحدة من أكبر اقتصادات العالم؟! لقد وضع كاردوسو، وكان حينئذ وزيرًا للمالية، برنامجًا مدروسًا بعناية للإصلاح الاقتصادي، وأسماه “البرنامج الحقيقي” Real plan، أو باللغة البرتغالية Plano real، وهو برنامج من ثلاث مراحل، تبدأ بأن يصدر البرلمان قرارًا بإلزام الحكومة بتقديم ميزانية متوازنة تمامًا، بدون أدنى عجز، أو برنامج للاستدانة الداخلية أو الخارجية، ويلي ذلك تقديم اُسلوب محدد للتوازن بين المرتبات وعوامل الحركة في السوق، وهو ما يسمى في علم الاقتصاد indexing، ثم يلى ذلك إصدار عملة جديدة أسماها “الحقيقي” real، مع تثبيت سعر الصرف خمس سنوات، وهو ما يسمى في علم الاقتصاد pegging (وهو عكس ما ينصح به خبراء الاقتصاد والبنك الدولي)، مع رفع معدل الفائدة في البنوك لتشجيع الادخار، وتقليل الإنفاق. كما رفع الفائدة على العملة الصعبة لجذبها من السوق العالمية، مع وجود مشروعات جاهزة ومدروسة للاستثمار المباشر. شملت الخطة الترويج للاستثمار في البرازيل بأنها دولة مستقرة وآمنة، وأن القانون الدولي التجاري العام يطبق بحذافيره عند المنازعات، وأن ثبات سعر الصرف يضمن للمودع والمستثمر أمواله بالعملة الصعبة حين يريدها.
نوقشت الخطة على نطاق عريض مع الشعب الذى وافق عليها بتحفظ، وبنوع من الحذر الشديد والتوجس لسوابق الفشل. ولكن الخطة، في شهور قليلة، نجحت نجاحًا فاق جميع التوقعات، وتدفقت العملة الصعبة بكثافة، إلى درجة اشتراط فائدة إيداع على الأموال القادمة بشرط بقائها من ٣ إلى ٥ سنوات، وانخفض معدل التضخم إلى أقل معدل في تاريخ البرازيل، ودارت عجلة الإنتاج بوتيرة سريعة، وانخفضت البطالة، وعاد الاتزان إلى القطاع المصرفي، وتدفقت الاستثمارات الخارجية لارتفاع سعر الفائدة وتثبيت سعر الصرف، وانتعش الاقتصاد، وبدأ معدل النمو بالتصاعد. نجح كاردوسو باكتساح في الانتخابات الرئاسية وفاز بها من أول جولة ضد منافسه سيلفيا دي لولا، ونتيجة للانتعاش الاقتصادي قام كاردوسو بتعويم ” الحقيقي” في عام ١٩٩٩ لطمأنة الاقتصاد العالمي على استمرار معدلات النمو، فنجحت البرازيل مرة اخري في كسب الثقة العالمية، رغم الكساد الاقتصادي في جنوب شرق آسيا، والأزمة الاقتصادية في روسيا في نهاية التسعينيات.
عدّل البرلمان البرازيلي الدستور للمرة الأولى في تاريخه ليسمح لكاردوسو المبهر بالترشح لمرة ثانية ليعاود النجاح الساحق أمام منافسه سيلفيا دي لولا، ومن الجولة الأولى أيضًا، ليتربع ملكًا في قلوب البرازيليين كأفضل رئيس من عام ١٩٩٤ إلى عام ٢٠٠٣، وأصبحت نظرياته الاقتصادية تدرس في كليات الاقتصاد. بعد ذلك نجح دي لولا لعدم وجود هذا المنافس العبقري ليجد الطريق ممهدًا للاستمرار على خطى كاردوسو، وجنى ثمار عبقريته. نجح العامل ديلولا في إدخال الطبقات الفقيرة والمعدمة في مسيرة النهضة كأيدٍ عاملة رخيصة بعد تأهيلها وتدريبها، فحققت البرازيل أعلى معدلات للتنمية، بل لم تتأثر بالكساد العالمي عام ٢٠٠٨. ما زلت متفائلًا جدًّا بقدرة مصر على النجاح رغم الضيق الحالي الذي نعانيه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى