رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :العمل السري كحفل تنكري

لأول مرة تتاح للجمهور العراقي فرصة التعرف على القادة السياسيين عن قرب،
على مستوى الوعي الثقافي والفكري والادبي والسياسي،
ولا شك ان هذا الجمهور خرج بانطباع او حصيلة ان غالبية هؤلاء يعانون من الأمية الثقافية،
حيث لا يستطيع أحدهم، بل أفضلهم، ان يشكل جملة رصينة تتسم بالعمق والدقة والوعي والرهافة،
ومن دون أي فكرة عن ادارة الدولة عدا الشعارات الفارغة، لذلك خربوا البلاد والعباد.
هؤلاء كانوا في الخارج وقد وضعت أمامهم أفضل الفرص للحياة والعيش والتعلم والبحث والتثقيف الذاتي من دول الملجأ، سواء عربية أو أوروبية،
في حين وقع من في الداخل تحت كابوس وحصار عام وخوف طويل،
جعل الناس تبيع ما تبقى من أثاث العائلة لكي تعيش ولو بقرف.
لقد اتيحت لنا مبكراً فرصة الاقتراب ـــ دون الانغماس أو الاندماج ـــ من بعض هؤلاء من اليمين أو اليسار، أي النظر من مسافة من موقع فكري مختلف،
في سوريا وايران والاردن واوروبا الشرقية والشمالية وحتى في المغرب العربي في افريقيا وفي اسكندنافيا،
وبعض هؤلاء كنت أعرفهم من العراق معرفة شخصية وكان العمل السري يمنح هؤلاء فضائل ومهابة ظهر انها وهمية بل وهالة اسطورية .
العمل السري يمنح هؤلاء خصالاً غير موجودة بسبب هالة الصمت والخوف والسلطة لأن الشخصية مغلقة من الداخل ولا تُرى الا من الخارج في مجتمع يقدس المظاهر ولا تنكشف الا في مناخ الحرية أو عندما تملك سلطة.
ان فرصة حوار مباشر مع هؤلاء في مناخ مفتوح وديمقراطي لم تكن متوفرة في البلد في عراق تتحكم فيه التراتبية الاجتماعية والقبلية والعائلية والوجاهة والحزبية، أي كل ما هو خارج عن الشخصية،
كما ان” سلطة الشارع” والنادي الليلي والمقاهي والصالونات تحت سيطرتهم،أي التحكم بالقاع المخفي من المجتمع ولا تزال هذه العاهة مستمرة, أي بنية سرية تتحكم بأرادة ووعي الناس من خلف ستار كالمافيا،
لذلك يجد المختلف نفسه بين سلطتين ونارين ومطرقتين: سلطة النظام الحاكم، وسلطة الدهاليز السرية،
وما ان توفرت هذه الفرصة، فرصة حوار آمن في مكان نظيف، في الخارج، في السويد مثلا أو طهران او دمشق،
حتى اكتشفنا مصيبة حقيقية تختفي خلف قناع السرية والنفاق والمجاملة.
قد تكون في العراق في علاقة مع شخص لسنوات وهو غاطس في السرية لكن عندما تلتقي به في دول ديمقراطية شفافة أخرى تكتشف شخصية مسطحة بل تافهة أحيانا وعدوانية بعد رفع الغطاء الذي يجعل من الجرادة عصفوراً. كان العمل السري يمنح هالة وهمية.
هذه الحقائق ليست فردية بل اكتشف الناس، متأخرين، بعد الاحتلال إن الناس في السر ليسوا هم في العلن وان الشعارات المقدسة سُحقت بالأحذية وان هالة العمل السري كانت قناعاً وان الانسان لا يسقط فجأة بل هو كذلك في انتظار فرصة سانحة وكانت السلطة وان” مناضل ” العمل السري هو غالباً نصاب ومخلوق مزيف لا تكشفه غير السلطة.
من المستحيل ان ينام الشخص تقياً وقديساً ومناضلاً ووطنياً و يستيقظ في الصباح عند تغير السلطة ويتحول فجاة الى لص ونصاب وقاتل لان هذا عكس تجارب البشر وقوانين الطبيعة وكل العلوم. كان في دورة سبات.
كانت كل الأحزاب قد شكلت بنية سرية داخل المجتمع ، وشكلت بنية سرية في المنافي تمتلك السلطة ذاتها على الاتباع وتمارس منظومات العقاب نفسها من طرد واقصاء وتشهير في غفلة عن قوانين المكان الجديد،
وهو السلوك الذي سيتم نقله الى الوطن بعد الاحتلال،
لأن سلطة” المخبأ السري” أو سلطة القبو لا تستطيع الحياة في مجتمع حي ومفتوح وعادل ونظيف بعد أن جعلها جلادها الأصلي تُدمن على السراديب واماكن العزل المغلقة. كما ان النظم القمعية منحتهم هالة مضخمة من الاهمية من خلال المراقبة والاعتقال في حين لا يشكل هؤلاء خطراً على أحد سوى أنفسهم من خلال منظومة الأوهام الكبيرة والتورم الذاتي.
مرة ذهبت الى موعد مع عضو قيادي في حزب ــــــ عضو مكتب سياسي ــــــــــــــ في منزله في الدنمارك في ايلول عام 93 بدعوة منه لكني فوجئت برفيق له هو الآخر قيادي معروف يخرج من المنزل ويعانقني في الباب عناق الأفعى ولم يكن في الواقع عناقاً لكنه تفتيش من الأعلى الى الأسفل بطريقة غير مباشرة كما لو انني في زيارة للقصر الجمهوري أو أنني جئت لاغتيال تروتسكي مع ان زبال الشارع لا يعرفه. تلك المقابلة علمتني ما لم تعلمني الكتب في ان الانسان قاع عميق وليس سطحا ونحن نتعامل مع أقنعة.
حاولت العودة ورفض المقابلة لكن فات الأوان. هؤلاء مرضى لا يستطيعون الحياة ولا العمل بدون نقل الجو البوليسي القديم المظلم واسقاطه على واقع نظيف وواضح. إنه الإدمان المرضي على مهابة مزيفة وفوبيا الأشباح للتوازن وعدم تقبل فكرة الاهمال واختراع العدو للذات المهملة.
الديمقراطية تعري المخبوء أكثر من القمع. الديمقراطية زلق كأغنية المهد يجب أن تكون سمعتها في البيت الأول. ليست تعليماً بل تربية.
عندما عاد هذا الكائن الى الوطن شاهدته يخطب بين جمهوره كنابليون عائد من المنفى،
كان تماماً في مكانه المشتهى وأمام جمهور ذاهل من خطاب الاسطورة والزعيم القادم من ضباب التاريخ والايام والامكنة ومرت في الذاكرة صورة تفتيشي في بابه ومر تاريخ عريق.
الروائي عباس خضر الفائز بجائزة برلين للرواية في المانيا قال لي قبل الاحتلال ان اصدقاءً طلبوا منه استضافة سكرتير عام حزب طبقي ثوري لايام لأنه كان يعيش لوحده تلك الفترة، قال لي في حوار هاتفي:
” طوال وجود السكرتير العام في المنزل لم أسمع منه كلمة واحدة أو عبارة تعطي الانطباع ان هذا الرجل على علاقة بثقافة العصر وتحولاته الفكرية،
وكل ما سمعته منه هو خطابات مستهلكة تقال في كل مناسبة وبلا مناسبة”.
أراد أن يقول كانت حفلة تعذيب لروائي من خارج هذه الذهنية.
قلت:
“هذه الخطابات المستهلكة كانت تدفع الناس الى الموت”.
المكان الواضح والعلني والآمن لا يتناسب مع سلوك من عاش في القبو والظلام والحياة السرية. النهار لا يناسب الخفاش الليلي.
ألم يقل صدام حسين في خطاب متلفز بالحرف:
” كل عدو للحزب والثورة عليه أن يعرف أن الأشباح تطارده في الأحلام”.
وهو ما حدث ليس في الأحلام فقط بل في الواقع وحتى في المنافي.
هناك دائما شبح مخابراتي جالس بين إثنين مع ان كل الاحزاب مخترقة أمنياً من الهرم الأعلى كما كشفت الوثائق.
الخلاصة ان هؤلاء حملوا السلطة معهم، في اعماقهم، ولم تعد السلطة مؤسسة فحسب بل صارت ذهنية ونظام تخيل أو ما يُعرف بالاعتقال الذاتي. هذه التفاصيل المهملة ليست عفوية بل جمعها وربطها يقود الى صورة أعمق وأدق والثقافة السياسية لا تحفل بالتفاصيل التي فيها الشيطان.
السلطة القمعية تنتج المواطن الخفاش الذي يجرحه ضوء النهار وتعريه علنية الاشياء والعلاقات.
من حق أي انسان أن يدافع عن حريته وكرامته بالطريقة التي يراها مناسبة وحسب ظروف هو يقررها، لكن ليس من حق كل من هرب أو اختبأ في صحراء أو مستنقع أو جبل أو منفى،
أن يرتب حقوقاً ويفرض امتيازاً على الآخرين، لأن الهروب أو البقاء هو قرار فردي و ليس في الأمر بطولة ومن لم يغادر العراق دفع أفدح الأثمان في الحصار والموت والرعب.
غير المعقول أن نصفق لكل عصفور يطير، وكل شجرة تثمر، وكل غيمة تمطر، وكل فراشة أو طائر دافع عن حياته أو حريته. الدفاع عن الكرامة الانسانية ليست وظيفة تستحق الأجر وإلا لكنا دفعنا للأزهار والطيور والحيوانات أجورها دفاعا عن حياتها.
لكن ما الذي كان يمنع هؤلاء من الانفتاح على العالم وتنظيف الستائر وفتح شبابيك الوعي وهم بالقياس الى الاعداد الكبيرة من الفارين، كانوا يعيشون في رغد العيش؟
حاولت طرح هذا السؤال في حفل خاص خلال زيارة الى السويد منتصف التسعينات بدعوة خاصة بعد الترحيب ورفع الانخاب،
لكني مع مرور الوقت وجدت نفسي كيتيم في محطة قطار أو صوفي دخل حانة أو بوذي وجد نفسه في موكب كربلائي فجأة.
كيف يمكن لهؤلاء في المستقبل ـــــــــ فكرت في ذلك الوقت ــــ أن يحكموا بلداً بهذه العقلية؟ هل ستكون جلودنا أحذية لجنرال قادم؟
خرجت مبكراً بعد الاستئذان من صداع مفاجئ.
كانت الشوارع السويدية أكثر انسجاماً معي، تلك الليلة، بالوضوح والاشجار المضيئة والحرية والهدوء والاناقة والنظافة وضوء المصابيح والمطر الخفيف وحتى الضباب وعلنية الاشياء،
ومع كل الهواجس والاحلام الداخلية فكرت في اننا نكتشف الوطن في المنفى بتعبير عبد الرحمن منيف لكننا نكتشف المنفى في الوطن.
في المنفى ومن البعيد يلوح الوطن واضحاً أكثر من في الداخل الذي يعيش في الضجة والدوامة لأن المنفى يسقط الفضائل الوهمية التي يمنحها العمل السري لمخلوقات جريحة وعي وذاكرة ولغة.
المحزن هو ان جلودنا صارت فعلاً أحذية بعد الاحتلال، لأن زعماء هذا البلد، في السلطة والمعارضة، أمس واليوم،
هم دمى محشوة في ملابس وخطابات وشوارب وأحذية كانت في السابق تتعكز على هالة العمل السري الاسطورية، واليوم تتعكز على سلطة المال والاتباع والمؤسسات الحزبية،
وتتعكز على وعي عام مصاب بعطب عضوي وعاجز عن النظر خلف المظاهر والجدران وما وراء الظلام.
من أين لنا بمخرج أفلام الرعب لكي يكشف لنا هذه العوالم السرية المخفية ويزيح النقاب عن مهزلة سياسية متنكرة وعن حقائق مغطاة بشعارات متينة مزيفة لان المستقبل موجود في هذه الزوايا المهملة والمنسية والمعتمة واللامفكر فيها والمسكوت عنه والمخفي؟
كيف يمكن وضع هذه التجارب قبل الاحتلال في اطار سردية روائية واعادة ربط التفاصيل على خلفية تاريخ عام؟ في عزلة عن كل هذه الجماعات في بلدة أورستا . جلست أكتب رواية عام 2000 بعنوان:
” عزلة أورستا” وجدت ان العنوان لا يكفي وكتبت عنوانا فرعياً: ” عزلة أورستا: سرقوا الوطن، سرقوا المنفى” قبل أن يسرقوه بسنوات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى