رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :عندما تصبح الجبهة أقل أهمية من العمق: الحرب الروسية ـ الأوكرانية تدخل حرب الاستنزاف الاستراتيجي

في الحروب التقليدية، كانت الجبهة هي المكان الذي تُقاس فيه القوة.
تتقدم قوة فتتراجع أخرى، تسقط مدينة، تُفتح ثغرة، أو تُستعاد أرض.
لكن الحروب الحديثة تجاوزت هذه المعادلة.
قد تبقى خطوط التماس شبه ثابتة، بينما تتغير موازين القوة بصورة عميقة في الخلف؛ داخل المصانع، ومحطات الطاقة، وشبكات النقل، ومخازن الذخيرة، والموانئ، ومراكز القيادة، وحتى داخل قدرة المجتمع على تحمل الحرب.
وهذا تحديدًا ما يجعل الحرب الروسية ـ الأوكرانية تدخل مرحلة مختلفة.
لم تعد المسألة الأساسية: من يسيطر على المزيد من الكيلومترات؟
بل:
من يستطيع أن يستمر في إنتاج الحرب عندما يبدأ العدو في ضرب الشروط التي تجعل استمرارها ممكنًا؟
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
روسيا خاضت الحرب وهي تراهن على شيء واضح: التفوق في الحجم.

مساحة أكبر، سكان أكثر، قاعدة صناعية أكبر، موارد طاقة هائلة، وقدرة أعلى على إنتاج الذخائر وتعويض الخسائر.
أوكرانيا لم يكن بإمكانها أن تنافس روسيا بهذه الطريقة.
لذلك كان عليها أن تبحث عن نقطة مختلفة تمامًا في المعادلة.
إذا كنت لا تستطيع أن تنتصر على القوة الروسية في حجمها، فحاول أن تضرب العناصر التي تجعل هذا الحجم قابلًا للاستخدام.
هذه هي فلسفة الحرب الأوكرانية بعيدة المدى.
النفط ليس مجرد نفط.
المصفاة ليست مجرد منشأة صناعية.
الميناء ليس مجرد ميناء.
السكة الحديدية ليست مجرد وسيلة نقل.
كل واحدة منها عقدة داخل منظومة عسكرية واقتصادية.
وحين تضرب العقد بدلًا من الجنود، فإنك لا تحقق بالضرورة انتصارًا عسكريًا مباشرًا، لكنك تبدأ في تغيير اقتصاد الحرب.
وهذا أكثر أهمية على المدى الطويل.
هنا يجب التوقف أمام مفهوم غالبًا ما يتم تجاهله في قراءة الحرب:

«العمق الاستراتيجي»
روسيا تمتلك عمقًا جغرافيًا هائلًا.
وهذه ميزة تاريخية سمحت لها، عبر مراحل مختلفة، بامتصاص ضربات ضخمة.
لكن التكنولوجيا الحديثة بدأت تقلل قيمة المسافة.
الصاروخ بعيد المدى والمسيّرة الانتحارية لا ينظران إلى الحدود بالطريقة التي كان ينظر بها الجيش التقليدي.
ما كان بعيدًا بالأمس أصبح هدفًا محتملًا اليوم.
وهذا يعني أن العمق الروسي، الذي كان يمثل أحد أهم عناصر القوة، أصبح في الوقت نفسه مساحة جديدة للاستنزاف.
ولا يعني ذلك أن روسيا فقدت عمقها.
بل يعني أن تكلفة حمايته ارتفعت.
وهذه نقطة مختلفة تمامًا.

فالدولة لا تحتاج إلى خسارة منشآتها كلها حتى تواجه مشكلة.
يكفي أحيانًا أن تضطر إلى حماية مساحة شاسعة من منشآت متعددة، وتوزيع أنظمة الدفاع الجوي، وإعادة تنظيم الإنتاج، وتغيير طرق النقل، ورفع تكاليف التأمين، وتعطيل بعض خطوط الإمداد.
الحرب هنا لا تدمر الهدف فقط.
إنها تجبر الخصم على إنفاق المزيد لحمايته.
وهذه في حد ذاتها عملية استنزاف.
لكن موسكو فهمت هذه المعادلة أيضًا.
ولذلك فإن الضربات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية ليست مجرد رد انتقامي على الهجمات الأوكرانية.
إنها جزء من العقيدة نفسها:
ضرب قدرة الخصم على إعادة إنتاج القوة.
الكهرباء، الموانئ، شبكات النقل، الصناعات الدفاعية، منشآت الطاقة…
كلها تدخل في حساب واحد.
إذا تمكنت روسيا من جعل الحياة الاقتصادية والعسكرية في أوكرانيا أكثر صعوبة، فإنها لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال كل أوكرانيا.
يكفي أن تجعل تكلفة استمرار الدولة في الحرب أعلى من قدرتها على الاحتمال.
وهنا يتحول الصراع إلى معركة بين اقتصادين، وليس فقط بين جيشين.
وهذا يقودنا إلى التحول الأخطر.
الحرب الروسية ـ الأوكرانية أصبحت، بصورة متزايدة، حربًا على سلاسل الإمداد.
الجندي في الخندق هو آخر حلقة في سلسلة طويلة.
وراءه توجد الذخيرة.
وراء الذخيرة مصنع.
وراء المصنع طاقة.
وراء الطاقة شبكة نقل.
وراء الشبكة اقتصاد.
وراء الاقتصاد قدرة الدولة على التمويل.
ومن يريد إضعاف الجيش لا يحتاج دائمًا إلى قتل الجندي.
يمكنه أن يبدأ من آخر السلسلة.
وهنا تصبح الضربة التي تبدو صغيرة عسكريًا ذات أثر استراتيجي كبير إذا أصابت عقدة لا يمكن تعويضها بسهولة.
هذه هي النقلة التي تجعل الحرب الحالية مختلفة عن الصورة التي تقدمها الخرائط العسكرية وحدها.
لكن هناك عاملًا آخر ربما يكون أكثر أهمية من الصواريخ نفسها:
الزمن.
روسيا تراهن على الزمن.
وأوكرانيا تراهن على الزمن أيضًا.
لكن كل طرف يريد زمنًا مختلفًا.
روسيا تحتاج إلى حرب طويلة تجعل التفوق في الموارد والإنتاج والسكان يعمل لمصلحتها.
أوكرانيا تحتاج إلى حرب طويلة بالقدر الذي يسمح لها بتطوير أدوات تعويض الفارق في الحجم.
ولهذا فإن إدخال الصواريخ بعيدة المدى، وتوسيع إنتاج المسيّرات، وتطوير الصناعات الدفاعية المحلية، ليس مجرد تحسين في نوعية السلاح.
إنه محاولة لتغيير معادلة الزمن.
أوكرانيا تقول عمليًا:
إذا كان التفوق الروسي في الحجم لا يمكن تغييره، فسأحاول تغيير تكلفة استخدام هذا الحجم.
وهذا من أكثر التحولات ذكاءً في الحرب.
أما أوروبا، فقد دخلت المعادلة بطريقة مختلفة.
أوروبا لا تخوض الحرب بالمعنى التقليدي، لكنها تدفع ثمنها بصورة متزايدة.
الطاقة.
الإنفاق الدفاعي.
إعادة بناء الصناعات العسكرية.
اللاجئون.
الأمن السيبراني.
حماية البنية التحتية.
وإعادة تعريف علاقتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة.
ولذلك فإن الحرب الروسية ـ الأوكرانية لم تعد قضية حدود أوكرانية فقط.
لقد أصبحت اختبارًا للنموذج الأمني الأوروبي الذي تأسس بعد الحرب الباردة.
وهنا تكمن المفارقة:
روسيا تخوض حربًا لإعادة رسم حدود نفوذها.
وأوروبا تخوض حربًا سياسية واقتصادية لإثبات أن الحدود الأوروبية لا يمكن إعادة رسمها بالقوة.
وبين الاثنين تقف أوكرانيا.
لكن الأخطر من كل ذلك هو اتساع مساحة الحرب دون إعلان حرب مباشرة بين روسيا والغرب.
هذه المنطقة الرمادية هي التي ينبغي مراقبتها.
السلاح الغربي.
الاستخبارات.
الأقمار الصناعية.
التدريب.
التكنولوجيا.
القدرات بعيدة المدى.
وفي المقابل، التهديد الروسي باستهداف المصالح والمنشآت التي يرى أنها أصبحت جزءًا من الحرب.
حتى الآن توجد خطوط حمراء يحاول الجميع ألا يتجاوزها.
لكن المشكلة في الحروب الطويلة أن الخط الأحمر لا يسقط عادة بقرار واحد.
إنه يتحرك تدريجيًا.
خطوة اليوم تصبح قاعدة غدًا.
وما كان تصعيدًا استثنائيًا قبل عام يصبح أمرًا طبيعيًا بعد أشهر.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
لذلك لا أرى أن السؤال الأكثر أهمية الآن هو:
هل تستطيع روسيا احتلال أوكرانيا؟
ولا:
هل تستطيع أوكرانيا استعادة كل أراضيها؟
هذه الأسئلة، رغم أهميتها، أصبحت أقل قدرة على تفسير المرحلة الجديدة.
السؤال الأعمق هو:
أي من الطرفين يستطيع الحفاظ على «قابلية الحرب» لفترة أطول؟
أي:
من يستطيع إنتاج السلاح؟
من يستطيع تمويله؟
من يستطيع حماية منشآته؟
من يستطيع تعويض خسائره؟
من يستطيع الحفاظ على معنويات مجتمعه؟
ومن يستطيع إبقاء حلفائه إلى جانبه؟
عند هذه النقطة تتحول الحرب من صراع على الأرض إلى صراع على القدرة على الاستمرار.
وهذه هي الحرب الأصعب.
روسيا تملك عناصر قوة لا يمكن تجاهلها.
لكن القوة الروسية ليست بلا تكلفة.
وأوكرانيا تملك قدرة متزايدة على الوصول إلى العمق الروسي، لكن هذه القدرة لا تعني أنها أصبحت قادرة على إسقاط الدولة الروسية.
وبين الحقيقتين توجد منطقة واسعة من الاستنزاف.
لا نصر روسي حاسم.
ولا انتصار أوكراني حاسم.
لكن استنزاف متبادل يتطور من الجبهة إلى العمق، ومن الجيش إلى الاقتصاد، ومن الدولة إلى المجتمع، ومن البلدين إلى البيئة الأوروبية بأكملها.
ولهذا فإن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس بالضرورة أن تسقط مدينة جديدة.
قد يكون الأخطر أن يبدأ أحد الأطراف في فقدان القدرة على إنتاج الحرب بالسرعة التي يستهلكها بها.
عندها فقط يبدأ ميزان الحرب الحقيقي في التحول.
فالجيوش لا تنتصر فقط لأنها تقاتل أفضل.
تنتصر عندما تستطيع أن تقاتل أطول مما يستطيع خصمها أن يحتمل.
ومن هنا، فإن الحرب الروسية ـ الأوكرانية لم تعد في جوهرها معركة من يملك السلاح الأقوى.
إنها أصبحت معركة…
من يملك الدولة الأكثر قدرة على البقاء تحت النار.
وهذه، في تقديري، هي المرحلة التي دخلتها الحرب الآن. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى