
كتب:هاني الكنيسي
بحركة بهلوانية مستوحاة من أفلام هوليوود، قفز الرجل العنكبوت “سبايدرمان” فوق شاحنة ‘جيك لانغ’ Jake Lang واشتبك معه، قبل أن ينتهي به الأمر مكبّلًا على الأرض وسط هتافات مشجعيه.
الدراما بدأت عندما قرر الجمهوري اليميني المتطرف -الذي شارك في اقتحام الكونغرس لصالح ترمب في 6 يناير 2021، والمعروف بعدائه العلني للمسلمين- تنظيم مظاهرة أمام مبنى بلدية ‘منيابوليس، بولاية مينيسوتا، لحرق المصحف على رؤوس الأشهاد وأمام عدسات المصوّرين ووسائل الإعلام (بعدما فشلت محاولته السابقة قبل عامين).
وفي صبيحة السبت 22 أغسطس، وصل ‘لانغ’ محاطًا بحراسه وبعناصر من الشرطة، حاملًا لافتة عنصرية تقول حرفيًا: Jake Lang loves Black people, but hates nig*s (أي: جيك لانغ يحب السود ويكره الزن*ج – وهو لفظ يعاقب عليه القانون الأمريكي)، قبل أن يتجمّع عشرات من المحتجين على حرق القرآن في مواجهته.
وسط الفوضى، ظهر رجل يرتدي زيّ “سبايدرمان” وقفز على ظهر شاحنة ‘لانغ’ عندما صعد بها فوق الرصيف باتجاه الحشود الغاضبة، وانتزع صليبًا كان أحد أفراد المجموعة يلوّح به، ثم وجه لكمات متتالية لمنظّم الفعالية العنصري، قبل أن تتطور الاشتباكات بين المتظاهرين من الفريقين، وتتدخل الشرطة بعنفها المعهود.
الفيديو الذي وثّق تلك اللحظة انتشر بسرعة النار في هشيم ‘تيك توك’ و’إكس’ و’انستغرام’، فأصبح “سبايدرمان منيابوليس” أيقونة للبطولة في السوشيال ميديا.
المفاجأة الحقيقية كانت في “هوية” الرجل العنكبوت؛ الذي ظن كُثُر أنه أحد العرب أو المسلمين الغاضبين، بعدما شوهد وهو يشارك بعض المحتجين حمل لافتة “الحرية لفلسلطين”. لكن اتضح لاحقًا أنه الأمريكي المسيحي الأبيض ‘ويليام نيكولاس لوف’ William Nicholas Love، البالغ من العمر 33 عامًا، والذي لا ينتمي إلى أي جماعة أو منظمة، حسبما أكدت شرطة ‘منيابوليس’ لمجلة ‘نيوزويك’.
مشهد المعركة لم ينتهِ بالصورة البطولية المعتادة في أفلام سبايدرمان.
إذ تصاعدت الاشتباكات بين الفريقين، واستخدمت الشرطة قنابل الغاز المسيل للدموع، قبل أن تعتقل 11 شخصًا، بينهم الشرير ‘جيك لانغ’ وبطل القصة ‘ويليم لوف’ الذي طرحه رجال الأمن أرضًا بعنف قبل نقله لجهات التحقيق التي وجهت له تهمة الاعتداء من الدرجة الخامسة misdemeanor assault، وأُطلق سراحه لاحقًا بكفالة.
أما ‘لانغ’، الذي وُجّهت إليه تهمة التحريض على الشغب، فأعلنت النيابة لاحقًا أنها لن توجه له تهمًا جنائية خطيرة، رغم سجله الطويل في قضايا التطرف والعنف.
بينما نقلت مواقع صحفية أمريكية عدة عن الشاب الذي يتصادف أن كُنيته (Love) بمعنى “حُب”، تصريحاته بأن “دافعه الوحيد” للتدخّل كان أنه أراد “منع الاستفزازات العنصرية”، وشعوره بأن عليه “حماية مجتمعه من سطوة خطاب الكراهية”.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن تطلق منظمات حقوقية أهلية حملات للتبرع على GoFundMe تتصدرها ملصقات “سبايدرمان”، وتجمع -خلال ساعات- عشرات الآلاف من الدولارات، لتغطية تكاليف دفاعه القانوني.
وبالتوازي، جددت واقعة ‘منيابوليس’ النقاش الساخن في الإعلام الأمريكي “المحلي” حول شرعية الإساءة أو الاعتداء على الرموز الدينية -كالتهديد بحرق المصحف- التي يستعملها اليمين المتطرف وعصابات تفوق العرق الأبيض”سلاحًا سياسيا”، بذريعة “حرية التعبير”في الولايات المتحدة.
قد لا يكون ‘ويليام لوف’ بطلًا خارقًا مثل “سبايدرمان” في أفلامه الخيالية، لكنه أثبت أن شجاعة الموقف ونُبل الدافع -على أرض الواقع- هما أفضل صور مقاومة خطاب عنصري يسعى لتحويل الكراهية إلى “احتفالية”.