ثقافه وفنونكتاب وشعراء

د. هبة الغنيمي تكتب: قهوة التعب

قصة قصيرة

أضاءت قنديلا قديما يعمل بالجاز يعود لجدتها لأمها بعد أن عادت من عملها الشاق، أغلقت الباب جيدا بالمفتاح حتى لا يقتحم عليها أولادها خصوصية لحظات نَوَت أن تسرقها من عجلة الزمن المتسارعة بجنون بلا أدنى إحساس بالذنب إزاء مسئوليات منزلية كثيرة كانت في انتظارها أن تعود.
كانت تحتفظ بتلك الغرفة كما تركتها جدتها تماما، بكل تفاصيلها العتيقة التي تحمل رائحة جدتها وأمها حينما كانت طفلة تلعب في شرفة الغرفة وتتناول الكثير من الشكولاتة المصرية الفاخرة لسنة 1944 وتسمى ” كورونا “.
ورثت منزل جدتها عن أمها بعد أن ماتت جدتها حزنا على أخيها الأوحد والأكبر، المناضل والفدائي ضد الانجليز، بعد سنين ذبلت فيها عينيها من بكاء لا يكف عليه، واعتادت كونها ابنة وحيدة، كل قطعة أثاث في تلك الغرفة التي تنام وتكتب وتجلس فيها تذكرها بجدتها التي زوجت ابنتها من ابن خالها في نفس تلك الشقة الواسعة ذات الشرفات في وسط البلد بالقاهرة.
فتحت دولاب جدتها العتيق واختارت قميصا أبيض اللون مزركش بزهور وردية كاد يختفي لونها يعود لجدتها وارتدته، أرادت أن تأْنس بالقمر البدر في شرفة الغرفة مستمتعة بصنع فنجان من القهوة على ” سبرتاية ” جدتها القديمة، صنعت القهوة على مهل ورشفت أولى الرشفات فعاد بها الزمن الى الوراء، بخيالها الواسع عادت الى الاربعينات وتذكرت لقطات كانت قد شاهدتها في الأفلام القديمة التي تحبها كثيرا لشوارع قلب العاصمة ومظهر الرجال الأنيق، هدوء الشوارع والسيارات القديمة اللامعة، أناقة النساء وجمال المقاهي واتساع الحدائق .
تجولت وارتاحت وتجولت، كأنها في حلم جميل هادئ ومؤنس للغاية، تساءلت في نفسها: ماذا لوكنت ابنة الاربعينيات؟ تُرى كيف سأبدو؟ وكيف سأتكلم؟ وماذا سوف أعمل؟ ما شكل زوجي والأصدقاء؟
ارتاحت كثيرا فقط من وقع التخيل، فما بالها بأن تكون ابنة هذا الزمن، كل شيء الأن سريع ،لا يلفظ انسان هذا الزمن الا بجمل مختصرة او مختزلة سريعة وباردة، لا يكاد ابن هذا العصر يلتقط أنفاسه حتى وهو يريد أن يعبر عن نفسه أو يتحدث الى أصدقاءه او أولاده أو حتى نفسه، ثم ابتسمت ساخرة من ” تكنولوجيا” ظن الناس انها ستقربهم فكانت سببا في بعدهم وأيضا ضياعهم، كم هي ناقمة على زمن السرعة هذا الذي تعيشه، تتمنى بصدق أن تكون هي ابنة جدتها، وتعيش في صفاء وتأخذ وقتها لتفعل كل ما تفعل براحة ولطف ويسر دون أن تلهث، فالعمر يقصر مع اللهاث، .. قالت في نفسها : ليس مهما أن يقصر العمر أويطول الأهم هو أن نتذوق ما نفعل .. لا شيء له طعم الآن، سألتها نفسها: وماذا كنت ستفعلين في يومك؟
أجابت: كنت سأفيق مبكرا مع بزوغ الفجر، أخرج الى شرفتي لأستنشق الهواء بهدوء، ربما سآخذ حماما ثم أرتدي فستاني وأذهب لأرى أمي وهي تستقبل أرغفة الخبز وزجاجة الحليب لتصنع الفطور، كنت سأتناوله معها ونحن نتحدث بلطف ونضحك، ثم أتركها للذهاب لعملي ثم أعود الثانية ظهرا لأتناول معها الغداء ثم أنام قيلولتي ثم أفيق لأشرب قهوتي المسائية وأنا أستمع الى صوت “الجرامافون” وعبد الوهاب يغني بصوته الشجي ثم أكمل كتابا أقرأه، أغازل القمر مساءا حتى أنام. بكل هذه البساطة ودون أي تفاصيل أخرى.
ردت نفسها قائلة: ألا تستطيعين فعل ذلك الآن؟ في هذا الزمان؟
قالت بعد أن تأملت سؤال نفسها قليلا: لا، ليس بنفس الهدوء وراحة البال، فما حولي يرهقني وصوت الحياة في الخارج يزعجني، فلا القمر هو القمر ولا الطعام هو الطعام، ولا العمل هو العمل، ولا وجود لأمي وخبزها الطازج، طعم الحليب تغير، ولا الجلسة هي الجلسة رغم أن الأثاث هو نفسه ورغم أن البيت هو البيت، لا طعم لكل ذلك، تغير طعم المساء والصباحات، تغيرت أنفاس الخلائق والأشجار في الشوارع، تحول الانسان الى كلب لاهث.
قالت نفسها: وهل تغير طعم القهوة أيضا؟
نظرت الى فنجانها ولم يتبقى فيه الا رشفة واحدة ثم قالت: تغير طعم التعب يا قهوتي و لازِلت قهوة التعب.
د. هبة الغنيمي
26 أغسطس 2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى