
كلُّ الطرقات تؤدّي إلى البحر،
الحدود، والأسلاك الشائكة،
وكلُّ تلك المسافات التي اخترعوها كي يقنعوني أن الوصول مستحيل.
لم أكن أبحث بين خطوط العمر إلا عن خطاك،
فجاءت فاجعة: “مش نصيبي”.
كأنَّ العمر كلَّه كان مزحةً ثقيلة،
وكأنَّ قلبي الذي عبر كلَّ هذا الخراب كان عليه أن يتعلّم، في النهاية، أن بعض الأمنيات لا تنقصها المحبة،
بل ينقصها الحظ.
أريد أن أطوي سنين عمري الباقية على ظلك،
لا أريد سواك،
ولا أملك رفاهية أن أحبّ أحدًا آخر بالطريقة نفسها التي أحببتك بها.
لأنني، منذ عرفتك،
لم أعد امرأةً تبحث عن رجل،
كنت أبحث عن ذلك المكان الذي يشبهني حين أكون معك،
عن النسخة التي نجت منّي للحظات، ثم عادت إلى خرابها كلما غبت.
يقولون إن الطرق كثيرة،
وإن القلب يستطيع أن يجد وجهةً أخرى،
لكنهم لا يعرفون أن كل الطرقات، مهما ابتعدت، تؤدّي بي إليك.
أهرب منك إلى المدن، فتستقبلني رائحتك عند أول نافذة،
أختبئ في الزحام، فأراك في رجلٍ يعبر الشارع من بعيد،
أحاول أن أحبّ الحياة بعيدًا عنك، فتجلس صورتك في منتصفها،
كحجرٍ لا تستطيع المياه أن تتجاوزه.
فكيف أقنع قلبي أن البحر وأنت لستما من نصيبي،
وهو يقف على الشاطئ منذ سنوات ينادي اسمك؟
كيف أشرح له أن بعض السفن لا تصل،
وأن بعض الدعوات، رغم صدقها،
تظل معلّقةً في السماء لأن الله أراد لها طريقًا آخر؟
أنا لم أغضب لأنك لم تكن لي،
أنا أغضب من كل تلك المصادفات التي جعلتني أراك، ثم لم تمنحني يدك.
أغضب من كل الطرق التي جمعت خطاي بخطاك،
ثم توقفت عند آخر خطوة.
أغضب من قلبي،
لأنه لم يكن حكيمًا بما يكفي ليحبّك قليلًا،
ولا جبانًا بما يكفي ليهرب منك.
أحببتك كما لو أنني أعرف، منذ البداية، أنك لن تكون لي،
ولهذا أحببتك أكثر.
وها أنا الآن،
أتعلّم ذلك النوع القاسي من الحب؛
أن تظلّ وفيًّا لشيء لن يحدث،
أن تحرس بابًا لن يطرقه أحد،
أن تترك مكانًا فارغًا في روحك، ليس لأنك تنتظر،
بل لأن أحدًا آخر لن يستطيع أن يجلس فيه.
“كل الطرقات تؤدي إلى البحر”…
وأنا، مهما ابتعدت، أعود إلى شاطئك.
أقف أمام اتساعك،
أمدّ يدي نحو المستحيل،
وأقول لنفسي للمرة الألف:
ربما لم يكن نصيبي أن أصل إليك،
لكن ما ذنبي إنك كنتَ الطريق كلّه؟
“هَدّي يا بحر هَدّي،طوّلنا بغيبتنا،
ودّي سلامي ودّي للأرض اللي حبّتنا”…
سأنام الآن،
ربما يجمعنا الليل في أرضٍ ما.