كتاب وشعراء

على باب مقهى …..بقلم رعد يكن

يقول رجلٌ عند بابِ المقهى:
لا أريدُ قهوةً،
ولا أريدُ أن أعودَ إلى البيت ،
البيتُ صارَ أضيقَ من ظلّي
والشوارعُ تعرفني أكثرَ مما ينبغي.
..
تقول فتاةٌ جالسةٌ قربَ النافذة:
وأنا أيضاً
كلُّ الذين أحببتُهم تركوا لي
مواعيدَ مؤجَّلة،
وصوراً لا أعرفُ لماذا
ما زلتُ أحتفظُ بها ، وأنا أصادق الوحدة ، وأبني العلاقات المهترئة مع الجدران والمرايا
..
يقولُ الولدُ:
وأنا لا أعرفُ لماذا
يذهبُ الكبارُ بعيداً
حين يقولونَ إنهم سيعودون.
أبي قالَ لي: انتظرني،
فجلستُ عندَ النافذة
حتى صارَ المساءُ أكبرَ من البيت.
ثم نمتُ،
وحين استيقظتُ
كان الكرسيُّ فارغاً،
النافذةُ مغلقة
وأبي ليس هنا
..
يقولُ الشابُّ:
أنا أبحثُ عن اسمي
كلما ناداني أحدٌ
التفتُّ إلى رجلٍ آخر
يلبس ضحكتي ويشرب آهاتي
ويمشي في طرقات كانت لي .
..
يقولُ العجوزُ:
وأنا لم أعد أريد شيئاً ،
زرعتُ شجرةً أمامَ منزلي،
كبرتْ حتى غطّتِ النافذة،
ثم ماتتْ قبلي بقليل،
فشعرتُ أنني صرتُ وحيداً
مرّتَين.
..
أعيشُ منذ سنوات
في جسدٍ لا أعرفُ صاحبه
أنتحل شخصية الأشياء والمدن
أوزع بطاقات لفرح غير مؤكد
ثم أمضي.
..
يقولُ النادلُ:
أغلقوا المقهى ،
غداً يومٌ جديد،
والناسُ يحتاجونَ إلى أماكن
يجلسونَ فيها
كي يتحدثوا عن تعبهم
فيضحكون ثم يصمتون ثم يبكون ثم يموتون على دفعات
..
وأنا أقولُ:
اتركوا البابَ مفتوحاً قليلاً
ليس لأنني أريدُ البقاء،
بل لأنني تعبتُ من الأبوابِ المغلقة،
ومن الوصولِ إلى الأماكن
التي لا أجدُ فيها أحداً.
..
اتركوه مفتوحاً…
ربما يمرُّ غريبٌ
لا يعرفُ أنني أنتظره،
وربما أمرُّ أنا
ولا أعرفُ إن كنتُ
أنتظرُني .
فتضيع التفاصيل في الأصوات الناشفة على جدران المقهى
وعلى حزن الكراسي
..
لم يكن الغريبُ هو الذي تأخر،
ربما أنا…
أنا الذي كنت أسحب كرسيا مليئا بالتعب كل يوم
أقف بجانبه أعرّفه بنفسي
نتصافح ، نتبادل التعب ويمضي كل منا في طريقه
..
أنا من كنتُ أمرُّ من أمامي كلَّ يوم، ولا أعرفني.
..
أنا ذلك الغريب الذي أقفل باب المقهى وقال:
كنتُ أنتظرني… لكنني لم آتِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى