
مقولة طالما سمعناها وتناقلناها، وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش. وأنا لا أرفض ما فيها من حكمة، لكنني أعترض على إطلاقها وتعميمها؛ فهي تصف جانبًا من طبيعة الحياة، لكنها لا تنطبق على كل الأحوال.
الحياة لا تثبت على حال؛ فالزمن يمضي، والظروف تتغير، والصحة تتبدل، والأماكن تتغير، والناس تتغير، وحتى مشاعرنا قد تمر بمراحل مختلفة. ولذلك قيل: «دوام الحال من المحال».
لكن ليس كل شيء في الحياة محكومًا بالتغيير. فهناك أشياء يمكن أن تدوم، بل قد تصبح مع مرور الأيام أكثر رسوخًا وقوة.
قد تدوم المحبة إذا كان أساسها الصدق، ويدوم الوفاء إذا كان نابعًا من القلب، وتدوم الصداقة إذا لم تكن قائمة على المصلحة، وتدوم العِشرة إذا صاحبها الاحترام والرحمة والتسامح.
الحال لا يدوم وحده… نحن الذين نحافظ عليه، ونحن أيضًا الذين نفرّط فيه.
فالمحبة التي نحافظ عليها بالكلمة الطيبة والاهتمام والسؤال والوقوف بجانب من نحب وقت الشدة، ليست محبة عابرة. والبيت الذي تسكنه الرحمة والاحترام يستطيع أن يصمد أمام كثير من العواصف.
قد تتغير الظروف، لكن ليس بالضرورة أن تتغير القلوب. وقد تمر السنوات وتبتعد المسافات، ويبقى من نحب قريبًا من القلب، وكأن الأيام لم تمر.
لذلك
الأدق أن نقول :
«دوام الحال من المحال… إلا إذا وجد من يحافظ على الحال.»
فبعض الأحوال لا تدوم لأنها ضعيفة، وبعضها لا يدوم لأننا لم نحافظ عليه. أما ما بُني على محبة صادقة، وإخلاص، ووفاء، ورحمة، وقلوب تعرف قيمة بعضها، فقد يثبت أمام الزمن أكثر مما نتخيل.
ولهذا يكون اختلافنا مع تلك المقولة:
دوام الحال ليس دائمًا من المحال…
فبعض الأحوال الجميلة لا يديمها الزمن، بل تديمها القلوب.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
وسبحان الله مُغيّر الأحوال.