
كنتُ أحبُّكِ…
وكان الطريقُ إليكِ
أقصرَ من نبضةٍ
وأطولَ من عمر.
لكنَّ الرصاص
كان يعرفُ الطريقَ
أكثرَ مني.
سبقتني إليكِ
رصاصة…
فصرتِ أنتِ الجسدَ
الذي احتضنته الأرض،
وصرتُ أنا
الروحَ التي تأخرت
عن موعد الموت.
منذ ذلك اليوم
وأنا أمشي…
ولا أصل.
أنام…
ولا أستريح.
أضحك…
فتسقط من ضحكتي
جنازة.
كانت روحي
مذوّبةً في هواكِ،
ترقص من الألم
كطائرٍ
نسيَ أن له جناحين.
وكلما حاولتُ
أن أنساكِ
تذكّرني قلبي.
وكلما قلتُ:
انتهى الحبّ…
خرج صوتكِ
من قاع دمي
وقال:
كاذب…
الحبّ لا ينتهي،
نحن الذين
ننتهي تحته.
أتيتُ إليكِ
ذات مساء…
وكانت القبور
أكثرَ دفئاً
من البيوت.
جلستُ قرب ترابكِ
كطفلٍ أضاع أمه
ولم يعرف
كيف يشرح للسماء
أنَّه يتيم.
ناديتكِ…
مرَّة.
ومرَّتين.
ثم صرختُ
حتى انكسر صوتي
على شواهد الموتى.
هل تسمعين؟
كنتُ أظن
أنَّ الموت
يغلق الأبواب…
ثم عرفتُ
أنَّ الموت
يفتح في القلب
ألف نافذة.
قلتُ:
يا حبيبتي…
أنا هنا.
فلم تجيبي.
وضعتُ كفي
على ترابكِ
كأنَّني أتحسس
نبضًا مدفوناً
كان التراب
بارداً…
وأنا
أشدُّ برودةً
منه.
سقطت دمعةٌ
من عيني…
امتصتها الأرض
ببطء.
فقلتُ لها:
أيَّتها الأرض…
لا تشربيها.
إنَّها آخر ما تبقَّى منِّي.
دعيني أبكيها
حتَّى آخر قطرة
من قلبي.
لكنَّها
لم تجب.
وظلَّت تأخذ دموعي
واحدةً واحدة…
كأنَّها تعرف
أنني سأحتاجها
غدًا
لأبكي أكثر.
لا أعرف
أين لامستُ التراب…
أعلى جبينكِ؟
أم جيدكِ؟
أم عصامكِ؟
لا أعلم…
كلّ ما أعلمه
أنَّني وضعتُ يدي
على المكان
الذي يسكن تحته جسدكِ،
فارتجفت روحي
ومنذ ذلك اليوم
وأنا أفتش عنكِ
في الأشياء الصغيرة:
في فنجان القهوة
الذي لم تعد يدكِ تمسكه…
في الستارة
حين يحرِّكها الهواء…
في رائحة عطركِ
حين يمرُّ غريبٌ
قريبًا مني…
وفي الليل…
يا الله…
كم يشبه الليل
امرأةً فقدت حبيبها.
كلّ النجوم فيه
ثقوبٌ صغيرة
ينظر منها الموت
إلينا.
أحبكِ…
وهذه مصيبتي.
أحبُّكِ
حتَّى بعد أن صار حبّكِ
دون عنوان.
أحبُّكِ
ولا أملك
سوى قبرٍ
أضع عليه قلبي.
أحبُّكِ
كأنني أعاند الموت.
وكأنَّني أقول له:
خذ عمري…
لكن
لا تأخذها من ذاكرتي.
فأنا أخاف
من النسيان
أكثر مما أخاف
من الموت.
الموت
مرَّة واحدة…
أما النسيان
فموتٌ
يتكرر كل صباح.
يا حبيبتي…
منذ رحيلكِ
وأنا نصف إنسان.
نصفُ قلب…
نصفُ صوت…
نصفُ صلاة…
ونصفُ رجل
يمشي في المدن
بحثًا عن امرأة
دفنتها رصاصة
ولم تدفنها روحه.
كنتِ تقولين:
لا تبكِ…
وأنا الآن
أبكي لأنكِ قلتِها.
كنتِ تقولين:
سأبقى…
وأنا الآن
أعيش على كذبةٍ جميلة
اسمها:
سأعود إليكِ.
أيُّ حبٍّ هذا
الذي يجعل الإنسان
يتمنى الموت
لا لأنَّه يكره الحياة،
بل لأنَّه يريد
أن يلتقي بمن أحب؟
أيُّ جنونٍ هذا
الذي يجعلني
أغار من التراب؟
أغار منه
لأنه يضمكِ
وأنا لا أستطيع.
أغار من القبر
لأنه يعرف
حرارة جسدكِ
أكثر منِّي.
أغار من الكفن…
من الحجارة…
من المطر
حين يسقط فوقكِ…
حتى الهواء
أغار منه
حين يمرُّ
على قبركِ.
كل شيءٍ يقترب منكِ
صار عدوي.
يا وجع العشاق…
علّمني كيف يعيش
من مات حبيبه
وبقي قلبه
عالقاً في الحياة؟
علّمني كيف يفتح الإنسان
باب الصباح
وهو يعرف
أن أجمل من كان ينتظره
لن يأتي؟
أنا لا أبكيكِ…
أنا أبكي نفسي
التي ماتت معكِ
ولم تجد قبراً
أبكي يدي
حين تمتد في الليل
نحو مكانكِ
فتعود فارغة.
أبكي صوتي
حين ينادي اسمكِ
في غرفةٍ مغلقة…
ثم يخجل
من الصدى.
وأبكي قلبي…
ذلك الأحمق
الذي مازال
يصدق أنكِ ستعودين.
يا حبيبتي…
إن مررتِ ذات حلمٍ
قرب نافذتي…
لا توقظيني.
دعيني أنام
وأعيش معكِ
في الكذبة الوحيدة
التي أحببتها
أكثر من الحقيقة.
وإن سألوكِ هناك:
من كان يحبكِ؟
قولي لهم:
رجلٌ
تأخَّر عنه الرصاص
قليلاً..
ثم عاش
كل عمره
في لحظة وصوله.
قولي لهم:
كان يبكي
عند قبري…
وكان يظن
أن الدموع رسائل.
وكان يضع يده
على التراب
ويقول:
أنا مازلتُ هنا…
فإن كان في الموت
بريدٌ للعاشقين…
فأخبريهم
أنَّني لم أبرح
ترابكِ.
مازلتُ هناك…
أناديكِ.
أصرخ…
أبكي…
وأحبكِ…
كأنَّ الرصاصة
لم تقتل جسدكِ…
بل قتلت
الطريقَ
الذي كان يقودني إليكِ.
وكلما مشيتُ
في هذا العالم…
وجدتُني
أعود إلى قبركِ.
فربَّما…
كان الحبّ
منذ البداية
قبراً جميلاً..
دخلناه معًا
وخرجتِ أنتِ منه
إلى السماء،
وبقيتُ أنا…
أحرسُ التراب
وأنتظرُ المستحيل.
كلمات: حامد الضبياني
العراق