
كانَ المساءُ بارداً…
والريحُ تضربُ نافذتي
كأنَّ الشتاءَ يريدُ أن يُطفئَ آخرَ شمعةٍ
في مكتبتي القديمة.
جلستُ خلفَ مكتبي العتيق،
وحولي كتبٌ أكلَ الدهرُ أطرافَ صفحاتها،
ومحبرةٌ سوداءُ
ما زالت تحفظُ أسرارَ رجالٍ رحلوا
ولم يأخذوا حكاياتهم معهم.
كنتُ أكتبُ عن امرأةٍ
تعبتْ كثيرًا…
لكنها لم تتعلّم يومًا
كيفَ تنحني.
وفجأة…
رنَّ جرسُ الباب.
رفعتُ رأسي،
فدخلتْ امرأةٌ
كان في عينيها شيءٌ من الليل،
وفي وجهها هدوءُ من عبرَ العاصفة
ثم عادَ وحده.
قلتُ لها:
مَن أنتِ؟
ابتسمتْ وقالت:
امرأةٌ أرهقها الطريق،
فجاءت تبحثُ عن كلمةٍ
لا تزيدُ وجعها.
قلتُ:
وهل تعتقدين أن الكلماتِ
تستطيعُ أن تُداوي امرأةً
أثقلتها الحياة؟
قالت:
لا أدري…
لكنني تعبتُ من الرجال
الذين يرونَ المرأةَ جميلةً
حين تكونُ بخير،
ثم ينسونها حين تتعب.
وضعتُ قلمي على الورق،
وقلتُ لها:
لا…
أنتِ لستِ نصفَ مجتمعٍ كما يقولون،
أنتِ القلبُ الذي إذا تصدّعَ
سمعَ المجتمعُ كلَّهُ صوتَ الانهيار.
أنتِ التي تحملينَ البيتَ
حين يتعبُ الجميع،
وتبتسمينَ
كي لا يخافَ الأطفالُ من حزنكِ.
ثم نظرتُ إلى نافذتي،
وكان البردُ يشتدُّ في الخارج،
وقلتُ:
تعلمين؟
كنتُ أظنُّ أن الربيعَ
هو ما يأتي بعد الشتاء…
حتى رأيتكِ.
فعرفتُ أن بعضَ النساءِ
لا ينتظرنَ الربيع،
بل يحملنَهُ في صدورهنَّ
حتى في أشدِّ أيامِ العمرِ بردًا.
أنتِ…
يا امرأةً من نورٍ ونار،
من صمتٍ وتعبٍ وكبرياء،
يا زهرةَ نيسانَ
التي لا يقتلُها الشتاء،
بل يجعلُ عطرَها أكثرَ حضورًا.
قالتْ لي:
وهل كنتَ تكتبُ عني؟
ابتسمتُ وقلت:
لم أكن أكتبُ عنكِ أنتِ…
كنتُ أكتبُ عن كلِّ امرأةٍ
تشبهكِ،
ثم دخلتِ أنتِ
فأفسدتِ عليَّ القصيدة…
لأنني اكتشفتُ
أن الكلامَ عن النساءِ شيء،
وأن تجلسَ أمامكَ امرأةٌ
تختصرُ النساءَ جميعًا
شيءٌ آخر.
سادَ الصمتُ بيننا…
ثم نهضتْ،
ومدّت يدَها إلى الباب،
وقبل أن ترحلَ التفتتْ إليَّ وقالت:
اكتبْ يا أديب…
فربما هناك امرأةٌ أخرى
تحتاجُ أن تعرفَ
أنها ليست ضعيفةً
لمجرد أنها تعبت.
وحين أغلقتِ البابَ خلفها،
عدتُ إلى مكتبي،
وأمسكتُ قلمي،
وكتبتُ في آخر الصفحة:
بعضُ النساءِ لا يحتجنَ رجلًا ينقذهنَّ،
بل رجلًا يرى تعبهنَّ
ولا يستغلُّه،
يرى صمتهنَّ
ولا يفسّره ضعفًا،
ويرى جمالهنَّ
في إنسانيتهنَّ قبل ملامحهنَّ.
ومنذ تلك الليلة…
كلما رنَّ جرسُ بابِ مكتبي،
أرفعُ رأسي سريعًا…
لا لأنني أنتظرُ زائرةً،
بل لأنني صرتُ أخشى
أن تكونَ امرأةٌ أخرى
قد جاءت لتُثبتَ لي
أن أجملَ القصائد…
تدخلُ علينا دون موعد.
الكاتب: أحمد البازغ