كتاب وشعراء

ارتطام الحنين بجدار العدم.. بقلم القاصّة: نجاح الدروبي

قصَّة قصيرة

سار الرجل بخطوات سريعة، لكنها كانت تطفو في هواء هلامي غريب؛ خطاه تسبق دقات قلبه التي تحوَّلت إلى قرع طبول بعيدة في عتمة الذاكرة.
ملأ صدره حنين جارح نحو مدينته الغائبة التي تبدَّلت ملامحها كلوحة سابحة في الضباب… شعر كأنَّ الأرض تمتدُّ وتتقلَّص تحته كأشرطة مطاطيَّة تطوي المسافات بتموُّجات وهميَّة لتقرِّبه من شقَّته الدافئة.
لم يمشِ على قدميه، بل سار على أجنحة الشوق؛ رأى ظلال الجيران تعبر الفراغ كأطياف من دخان، وسمع صدى ضحكاتهم يتردَّد مقلوباً كأنَّه قادم من عوالم أخرى. تذكَّر صور العائلة على الجدران ورائحة القهوة الدافئة التي تطفو بلا كوب في الهواء.
ركض بروحه في هذا الفضاء الملتوي كأنَّه طفل يسعى إلى حضن سراب.
وصل الرجل إلى حيِّه المنتظر، ليُفاجَأ بأنَّ المكان يتلاشى ككابوس يتفكَّك. لم يجد البناية التي حفظ كلَّ حجر فيها؛ اختفت الجدران وكأنَّها ذابت في العدم، وضاع السقف الصديق ليحلَّ محلَّه فراغ صامت ورماد بارد يتطاير بلا موعد. أكلت الحرب كل التفاصيل والأمان والسنين، وصار الواقع أشبه بحلم مكسور.
وقف الرجل مكانه بلا حركة، معلَّقاً في منتصف الانهيار. عجز عن الكلام وعجز عن البكاء، وسرى برد جليدي في صدره المفجوع ليجمد الزمن حوله. استدار ببطء شديد، كأنه يتحرَّك داخل مرآة مشروخة، حاملاً أثقال الدنيا المتشظِّية على ظهره. كانت خطواته المهشّمة تدقُّ على فراغ الخيبة القاتلة، وتمتم بشفتين ترتجفان بلعنة حرب سرقت حتَّى ظلال الأهل والأصحاب وألغت ملامح الأرض.

بقلم: نجاح الدروبي
٢٠٢٦/٨/١٦

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى