كتاب وشعراء

المناهج النقدية وتطبيقها على رواية “حدثَ في الشمال” للروائي و الشاعر السوري زكريا شيخ أحمد بقلم: محمد وليد يوسف

‎تعد رواية “حدثَ في الشمال” للروائي و الشاعر السوري زكريا شيخ احمد نصاً ثرياً وقابلاً للقراءة من زوايا نقدية متعددة نظراً لتداخل السيرة الذاتية للبطل “زهير” مع الواقع القومي والاجتماعي المحيط به

فيما يلي تطبيق لأبرز المناهج النقدية على النص:

1- المنهج الاجتماعي (سوسيولوجيا الأدب –
‎يعد هذا المنهج الأكثر مطابقة وتأثيراً في قراءة الرواية، حيث يرى النقاد أن النص الروائي هو انعكاس وتعبير عن البنية الفوقية للمجتمع وصراعاته

* جدلية الهامش و المركز: يدرس المنهج الاجتماعي فضاء الرواية (حي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب مقابل ريف عفرين) كأماكن سوسيولوجية تجسد الهامش العمالي والقومي المقهور في مواجهة المركز.

* الانعكاس الطبقي والتسجيلي: يطبق النقاد هنا مفهوم “الواقعية الاشتراكية”
فالرواية تسجل بدقة بؤس الطبقة العاملة و عالم ورش الأحذية وتكشف كيف يحدد الوضع الاقتصادي المصير المعرفي للأفراد.
وعي زهير و صديقه هورو يتشكل طبقياً من خلال معايشة الاستغلال اليومي،
مما يجعل الرواية وثيقة سوسيولوجية تدين الفقر والتهميش الممنهج.

* الأدب كشهادة سياسية:
يرى المنهج الاجتماعي أن توثيق أحداث “عيد النوروز 1986″هو إعادة إنتاج سردي للتاريخ الجمعي المكتوم، وتحويل الذاكرة الشفوية المهشمة إلى نص مكتوب يقاوم المحو و بالتالي فهو ليس مجرد حكاية.

2. المنهج النفسي (التحليل النفسي

‎يركز هذا المنهج على لاوعي الشخصيات وعقد الطفولة والصراعات الداخلية التي تحرك السلوك البشري

* عقدة الأب وسلطة الخصاء النفسي:
يحلل النقاد شخصية الأب الصارم في الرواية باعتباره يمثل “سلطة الخصاء” والترهيب التي تشل حركة الأبناء .
الخوف الدائم من الضرب والترقب المستمر يخلق لدى زهير وشقيقه محمد حالة من الاضطراب النفسي والقلق الوجودي.

* سيكولوجية التلعثم والصمت: يفسر التحليل النفسي صمت زهير الطفولي وتلعثمه في المدرسة لغوياً ليس كضعف ذكاء، بل كآلية دفاع نفسية” وصدمة ناتجة عن اغترابه داخل بيئة لغوية (العربية) تلغي لغته الأم (الكوردية)
و بالتالي فإن هذا التفسير لا يعتبر كضعف ذكاء.
صمته هو انكفاء نفسي لحماية الذات من هجوم خارجي يسحق هويته].

* التسامي والتعويض
وفقاً لسيغموند فرويد يتسامى زهير فوق عقده النفسية وقهر والده وعالم الورشات القاسي عبر تحويل هذه الطاقة المكبوتة إلى “التفوق الدراسي المطلق وشغف الأدب والحقوق”.
التفوق هنا هو رد فعل نفسي انتقامي مشروع لإثبات الذات أمام منظومة التربية العنيفة والسلطة الإقصائية.
3- المنهج النسوي
‎يهتم هذا المنهج بدراسة صورة المرأة في النص الروائي ومدى خضوعها أو تمردها على المنظومة الذكورية والبطريركية السائدة

* قهر ثنائي (قومي واجتماعي): تظهر المرأة في رواية زكريا شيخ أحمد كفئة تعاني من اضطهاد مضاعف.
فهي تعاني من التهميش العام الذي يعيشه مجتمعها الكوردي، وتعاني داخلياً من قسوة المنظومة الذكورية العائلية والطبقية الضاغطة.
* شخصية “ياسمين” و دلالة التمرد الفاشل: يقدم النقاد النسويون تحليلاً عميقاً لشخصية ياسمين.
تمرد ياسمين بالهروب مع حبيبها موسى هو محاولة لكسر الأغلال الاجتماعية والفقر. إلا أن نهايتها المأساوية المؤلمة تُظهر كيف تسحق البنية الاجتماعية الذكورية والطبقية الصارمة أي محاولة للانعتاق الفردي للمرأة وتكشف أن تكلفة الحرية للمرأة في تلك البيئة المأزومة قد تكون الحياة نفسها.

* الأم كرمز للتضحية الصامتة: تظهر الأم في الرواية كحاملة للوجع الصامت والمداوية لجراح الأبناء الناتجة عن عنف الأب، وهي تجسيد لنموذج المرأة الشرقية التي تمتص القهر لتبقي على تماسك الأسرة وسط واقع اقتصادي وسياسي طاحن.

‎بانتهاء هذه الدراسة الثالثةأكون قد أحطت برواية “حدث في الشمال” لـ زكريا شيخ أحمد من كافة جوانبها: تتبعت بنيتها الفنية والجمالية الراقية، وغصت في موضوعاتها الفكرية والدلالية العميقة
وأخيراً فككتها بمناهج النقد الحديثة (الاجتماعية والنفسية والنسوية).
يثبت هذا التحليل المتكامل أننا أمام عمل أدبي ناضج،
نجح فيه الكاتب في تحويل الوجع الفردي والسيرة الذاتية إلى ملحمة إنسانية وقومية تستحق الدراسة والتقدير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى