
وتعودُ من بكائكَ
ليس كسحابةٍ شُفِيتْ من وجع الماء فيها
ولا كروح تَحرّر من ذاكرة الطّين والنّزيفْ
بل تعودُ كراهبة أنفقت عذريّتها
في سرير متسوّلٍ
مقابل رغيف خبزْ
لأنّ الجوع ليس خطيئة مدوّنة في دفاتر الله
أو تعودُ
كما يعود شاعر من قصيدةٍ حزينةٍ
إلى امرأة أكثر حزنا تقبّل شفتَيْ رجل آخر في شفتيهِ المتورّمتينْ!
وتعود من بكائكَ
ليس لأنّ الفرح تفشّى في وجهكَ كما البُهاقْ،
ليس لأنّ ظلالكَ
– على الجدرانِ –
تَعَلَّمَتْ كيف تمدّ أذرعها، نحوكَ، لتضُمّكَ
وتُنقذُكَ من ثرثرة رأسكَ الصّاخبِ
ومن وِلادَاتِكَ المتكرّرة من رحم وحدتك اللّزجِ
وليس لأنّكَ هَطَلْتَ طويلا جدّا
حتّى نَبَتَتْ في لحيتك أزهار البابونج وشقائق النّعمانْ
لكنّكَ عُدتَ من بكائك
لأنّ البكاء مدينة لا تمنحُ الماء الأبيض،
في عينيكَ،
رفاهيّة فتح النّوافذِ
ولأنّك فَقَدَتَ طفولتَك الأولى وتورّطتَ في الأبجديّةِ…
وتعود من بكائكَ
لا خشنا ككفَّيْ جَدِّكَ في مقالع أحجار الكلسْ
ولا ناعما كحلمَتَيْ نهديْ حبيبتكَ؛
تعودُ كنصفِ البكاءِ وكنصفِ الوجعِ
وكنصف الوصولِ وكنصف العودةِ!
تؤلمكُكَ عيناكْ؟
تُغطّي جدران قلبك المتشقّقة بأوراق القصائدِ
لتبدو جميلا
ولتدّعي أنّ دموعكَ بسبب التهاب خفيف في عينيكْ
وتشكر الحاضرين،
في قلبك،
لأنّهم أقاموا صلوات الملح،
في ساحاتكَ،
ليُطهّروا أصابعكَ المعقوفة من عويل الرّيح
ولأنّهم كنّسُوكَ من شوارع ذاكرتِكَ
– قبل أن تَهطِلَ –
فَلَمْ تصْرِ وحلًا!
أيّها العائد من بكائكَ
استَفغرْ عينيْكَ
تغفران لك ما نسيْتَ من بكاءْ
وتَكتُبانِ
– في دفاتر آثامك –
قصيدتكَ الحزينة
من لغو البكاءْ.