كتاب وشعراء

ما لا يعرفه الأبناء…….بقلم رشيده الشانك

ها أنا أكتب بإسم فاطمة،
وباسم كل الأمهات اللواتي لا يكتبن ،
اللواتي لم يحملن القلم يوما، ليحكين ما يخفينه خلف ابتساماتهن.
أكتب لنفسي ولفاطمة جارتي التي تحكي لي كل يوم عن أشياء كثيرة لا يعرفها الأبناء عن الأمهات ..
فاطمة الجميلة المبتسمة والمنفعلة، أخبرتني أن أبناءها يعرفون جيد أنها هي التي تنظف وتكنس وتدّرس وتخطط وتهندس وتطبخ وتستقبل وتودع …يعرفون الكثير من تفاصيل الأشغال اليومية المرتبطة بكل فرد من أفراد الأسرة .
لكنهم لا يعرفون ما وراء كل ذلك .
اليوم اخبرتني فاطمة عن شيء آخر عن ما لا يعرفه الأبناء عن الأمهات.
أخبرتي عن كلفة هجرة أبنائها خارج أرض الوطن للدراسة في مدارس خاصة وبتكلفة مرتفعة .
أبناء نسوا بسرعة الطائرة التي حملتهم كيف يمكن لأم مطلقة أن تجمع هذه التكلفة وحدها…
تسدد فاطمة الآن عن طريق قرض رهن راتبها كله، دفعت القسط الأول ومازالت هناك أقساط أخرى تنتظرها في طابور طويل من الديون المؤجلة .
ما لا يعرفه الأبناء، وهم يتجولون في أوروبا أثناء عطلهم الدراسة ويحتفلون بأعياد الميلاد أن فاطمة لا تستطيع أن تغادر أسوار مدينتها ولو في نزهة قصيرة ،تفكر في اقتصاد بنزين السيارة .
ما لا يعرفه الأبناء ،أنها لا تستطيع الجلوس في مقهى ولو لشرب قنينة ماء،تمنحها دقائق قليلة لاجترار الأفكار العالقة في رأسها:
كيفية تسديد ما تبقى من قسط الدراسة؟
وماذا عن تأمين السيارة؟
وفاتورة الكهرباء؟
وماذا عن بقية الأقساط التي لا تتوقف ؟
خاصة أن اليومي والشهري يأكلان ما تبقى من فتات المصروف.
ما لا يعرفه الأبناء ، أن فاطمة النشيطة المفعمة بالحركة ،التي اعتادوا أن يرونها قوية،أصبحت في داخلها امرأة متعبة كأنها عجوز لا تستطيع المشي طويلا ولا الاستيقاظ صباحا.
تؤجل زيارة طبيب العيون
وتنظر إلى الشتاء القادم وهي تعرف أنها لا تستطيع شراء حداء شتوي جديد
ومع ذلك..
ما لا يعرفه الأبناء أيضا،أنها حين تسمع أصواتهم في الهاتف تبتسم،
تثرثر معهم،
تضحك
وتخبرهم أنها بخير.
ولا تسألهم لماذا لم يسألوا ؟
لا تقول لهم أن الأقساط أصبحت أثقل من قدرتها.
ولا تقول إن هناك ليالي طويلة تنام فيها وهي تحسب ،لا النجوم ،بل ما تبقى عليها من ديون.
ربما لا يريد الأبناء أن يعرفوا…
خاصة بعد أن ارتفع منسوب” أنانية الأبناء”، أو هم فقط تنبهوا بذكاء أن بعض الأسئلة لا فائدة منها ستجر الشكوى والمواجع وهم لا يريدون بعد مغادرتهم أرض الوطن أن يقرعوا جرس الشكوى.
لكنها تريد فقطـ أن يعرفوا ،
أن وراء كل أم تقول “أنا بخير “،
حكاية لا يعرفها الأبناء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى