
جئت إليك من أعمق المسافات،
وفي حقيبتي قلب لم يتعلم النسيان،
ورسائل قديمة أخفيتها تحت قميصي،
مثل آخر دفء تركه الوطن في يدي.
لم أكن هنا لأحصي نوافذ المدينة،
بل جئت إلى عينيك،
حيث ينتهي الطريق ويبدأ قلبي.
وحين رأيتك،
عاد الحب من منفاه،
كغريب وجد نافذته بعد غياب طويل.
كان شعرك الذهبي نهراً من شمس،
كان ينساب على كتفيك،
عيناك فتحتا في صدري
جهة لم أدركها من قبل.
مشينا،
والمدينة تسحب برودها من الأرصفة،
بينما كانت يدك في يدي
تشعل في أصابعي دفئاً صغيراً.
وعند الساعة الكبيرة، توقفت العقارب…
أو ربما، قلبي هو من أوقفها
لئلا يصل المساء.
في تلك الليلة،
نامت بروكسل تحت معطف المطر،
ونمنا معاً كأن العالم
نسي للحظة الحدود والخوف
وأسماء من يفصلون بين قلبين.
ثم جاء الصباح بوجهه القاسي.
صوت في الهاتف،
خبر صغير هدم ليلة كاملة.
كان عليك أن ترحلي…
بردت يداك،
وانطفأت في أصابعنا آخر جمرة.
رحلت…
وبقي الباب معلّقاً في صمته،
كأنما يعرف أن خطوة واحدة
يمكن أن تكسر عمراً كاملاً.
كانت الغرفة أوسع من غيابك،
والسرير بارداً كبلاد بعيدة.
وخارج النافذة كان المطر يهطل.
لكن الذي بلل وجهي،
كان شيئاً منك لا يعرف الرحيل.
خرجت عند الفجر.
كانت بروكسل تغسل وجهها بالمطر،
والقطارات تجر أضواءها
نحو مدن لا أعرفها.
وأنا… أمشي بلا جهة،
وفي يدي دفء يدك،
وفي عيني صورتك الأخيرة.
جئت إليك من آخر المسافة،
فعدت إلى أبعد نقطة في وحدتي.
ومنذ ذلك الفجر،
كلما انفتح الصباح على خيط من الضوء،
أراك… لحظة،
ثم يغلق الضوء نافذته،
ويبقى المطر وحده يعرف
أنني تركت في بروكسل
امرأة أحببتها،
وتركت معها رجلاً مني
لم يعد.
الشاعر: الأسعد بن عربية