كتاب وشعراء

خريف العشّاق.. بقلم: عبير دريعي

في الربيع
تفتحُ عامودا عيونها
يلبسُ الحقلُ ثوبَه الأخضر
ويضحكُ العشب

يهبطُ الخريفُ على عامودا
تنامُ المدينةُ نومَها الهادئ
تهجعُ الشوارع باكراً
تتوقَّفُ الضحكاتُ عندَ المساء
تسقطُ أوراقُ التوت
كرسائل لم يقرأها أحد
في هذا السكون
تصيرُ عامودا حكاية
تُروى بالهمسات

في أيلول يختلفُ
الحبُّ
ليسَ صاخباً
ليسَ مستعجلاً
يشبهُ نسمةُ البيادر
وعبق الترابِ بعدَ أوَّل مطر
في أيلول يعرف العشاق
أنَّ الحبَّ ليس موسماً
وأنَّ الحبّ حياة

العاشق
لم يشبعْ من التمرُّغِ في بيادرِها
يمدُّ جسدَه على القشِّ الذهبي
يحدِّقُ في السماء
يعدُّ النجوم
كأنَّها حبَّات عنب
يحدِّثها عن حبيبته
التي تشبهُ عامودا
في أيلول
قالوا: لقد جنّ
قلت: وهل الحبّ
إلا جنون
يليقُ بمدينتي

مساءاتُ عامودا
ليسَتْ
كأيِّ مساء
فيها طعمُ الشاي
ودفءُ الجدران الحجرية
وصوتُ الجدَّاتِ
وهن يروين حكايات القمر
في المساءات يختلط الحاضر بالغائبين
ويصير
الحنين ضيفاً
لا يغادر

في زاويةِ البيت
يجلسُ أبي
بينَ أصابعِه
ناي يبكي

لا أحدَ يعرفُ
لمن يبكي
لحبيبةٍ رحلت
لمدينةٍ تغيَّرَت
أمْ لزمنٍ لم يعد
أنينُه يتسلَّل إلى القلوب
فيصمت قلبي
ويهمس الخريف
نامي يا صغيرتي
ويصمت قلبي
وتصغي عامودا
إلى صوتها

يهلُ الخريفُ ويهمسُ تشرين
نامي
يا صغيرتي
قد أتعبَك الضوء

في عامودا
الحب
لا يشيخ
حب الأرض
والجدران
ورائحة الخبز
عند الفجر
تبقى
بعد رحيل العاشقين
ويكبر العشق
مع كل خريف
كغيمة بيضاء
كقلبي
الذي
لا يشيخ

عبير دريعي
عامودا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى