
يكشف الأدب العربي أن النص لا يصبح عالمياً بمجرد خروجه من وطنه، بل عبر الترجمة التي تقدمه إلى قارئ جديد. فترجمات (ألف ليلة وليلة) جعلت الحكايات العربية جزءاً من المخيلة الأوروبية، وترجمة (حي بن يقظان) نقلت أسئلتها الفلسفية إلى خارج العربية. وفي العصر الحديث فتحت ترجمات نجيب محفوظ والطيب صالح ومحمود درويش وغسان كنفاني أبواباً جديدة أمام الأدب العربي. لذا يصبح السؤال: كيف تعيد الترجمة تشكيل النص العربي حين يتحول إلى أدب عالمي؟
الأدب العالمي ليس جمعاً للآداب الوطنية، بل نمط من التداول والقراءة يتجاوز الحدود اللغوية والجغرافية. فالنص المولود في سياق عربي محدد قد يدخل، عبر الترجمة، في سياق ثقافي مختلف، فيُقرأ بأسئلة جديدة. وتبلور المصطلح في عشرينيات القرن التاسع عشر حين استخدم يوهان فولفغانغ فون غوته مصطلح (Weltliteratur) أي (الأدب العالمي). رأى غوته أن التواصل والترجمة يسمحان للأدب بتجاوز الحدود القومية. لكن المفهوم نشأ في سياق أوروبي رومانسي يحمل تصوراً معيارياً عن الأدب الإنساني، والتاريخ اللاحق كشف أن الحوار لم يكن متكافئاً دائماً. فقد احتلت الآداب الأوروبية ثم الأمريكية موقعاً مركزياً في الترجمة والنشر والتعليم، بينما واجهت الآداب العربية صعوبات أكبر. وقد أظهرت باسكال كازانوفا في (الجمهورية العالمية للأدب) أن العالمية سوق رمزية تتنافس فيها اللغات.
ويقدم ديفيد دامروش في (ما هو الأدب العالمي؟) تحولاً مهماً، إذ يرى أن الأدب العالمي ليس مجموعة ثابتة من النصوص، بل طريقة في القراءة والتداول. يصبح النص عالمياً عندما يغادر ثقافته الأصلية ويكتسب حياة جديدة في ثقافة أخرى، وهي عملية يسميها (حياة النص الثانية). وهنا تحتل الترجمة موقعاً مركزياً لأنها لا تنقل النص فقط، بل تعيد تشكيل شروط قراءته. ويؤكد دامروش أن النص العالمي يعيش في مثلث من اللغة الأصلية والترجمة والقارئ الجديد.
وتكشف النماذج العربية هذه العملية. ففي (ألف ليلة وليلة) لم تكن الترجمة نقل حكايات فقط، بل بوابة أعادت تقديم المخيال العربي إلى أوروبا. وقد لعبت ترجمة أنطوان غالان دوراً تأسيسياً، لكنها حذفت وأضافت وأعادت الصياغة وفق أفق القارئ الأوروبي. وفي (حي بن يقظان) نُقلت قصة فلسفية عربية إلى بيئة فكرية مختلفة، فقُرئت أسئلتها حول المعرفة والعقل والطبيعة خارج سياقها. وفي الأدب الحديث، جعلت ترجمة (الثلاثية) لنجيب محفوظ القارئ العالمي قريباً من القاهرة وتحولاتها، لكن عبر لغة تفسر الإشارات المحلية. ونقلت ترجمة (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح تجربة سودانية إلى قراء خارج سياقها، فقُرئت بقضايا الاستعمار والهوية والاغتراب. وفي (رجال في الشمس) لغسان كنفاني ساعدت الترجمة على انتقال تجربة اللجوء الفلسطيني إلى فضاء إنساني أوسع، وإن كان ذلك قد يخفف بعدها السياسي. أما شعر محمود درويش فترجمة (جدارية) و(أثر الفراشة) تواجه مهمة نقل الصورة والإيقاع والإيحاء، وقد تمنح القصيدة حياة جديدة لكنها تفقد بعض ظلالها الصوتية والثقافية.
وهنا تظهر إشكالية المركز والأطراف. فالترجمة تفتح للأدب العربي مجالاً للتأثير، لكنها تخضع لاختيارات المترجم والناشر والسوق والمؤسسات الثقافية، وقد تدفع نحو تبسيط الخصوصية المحلية. وسؤال (من يترجم؟ ولمن؟ وبأي شروط؟) لا يقل أهمية عن سؤال (ماذا يُترجم؟). فالجوائز والجامعات ودور النشر والتمويل ترسم خريطة الأدب العالمي بشكل غير متكافئ. ومع العصر الرقمي اتسعت إمكانات التداول، لكن أسئلة الاختيار والتمثيل بقيت قائمة.
وهكذا، من غوته إلى دامروش، لم يعد الأدب العالمي انتقالاً للنص بين البلدان، بل تجربة يعاد فيها إنتاج النص عبر الترجمة والقراءة. ويكشف الأدب العربي أن العالمية لا تعني التخلي عن الخصوصية، بل اختبار قدرتها على أن تجد معنى جديداً في لغة وثقافة وقارئ آخر. فالأدب العالمي ليس مكاناً نصل إليه، بل علاقة نتفاوض عليها، والترجمة ليست جسراً محايداً، بل فضاء صراع وتفاوض وإبداع. وهذا ما يجعل الترجمة إعادة إنتاج لا نقلاً.
ماجد القيسي