كتاب وشعراء

الأدب العالمي في زمن المنصات: الخوارزميات والانتشار.. بقلم الكاتب: ماجد القيسي

غيّرت المنصات الرقمية اكتشاف الأدب وتداوله، ووسّعت مشاركة القراء في التعريف بالكتب ومناقشتها. لكن السؤال النقدي ليس هل ينتشر العمل؟ بل كيف يتحول الانتشار إلى حضور أدبي عابر للثقافات؟ وهل تكفي الخوارزميات والترجمة والنقد والمؤسسات والقراء لتحقيق ذلك؟

أعني بالأدب العالمي الأعمال التي تُترجم وتُقرأ وتُناقش خارج بيئتها الأصلية، وتدخل في تبادل ثقافي تتغير فيه دلالاتها. أما الانتشار فهو حجم الوصول والتداول، بينما الحضور العالمي هو قدرة العمل على عبور الحدود اللغوية والثقافية والمشاركة في حوار أدبي مستمر. لا يقاس هذا الحضور بعدد القراء وحده، بل بجودة الترجمة، والقراءة النقدية، والسياقات التي يُقرأ فيها، وفرص الوصول، وما يثيره من نقاش وتأويل.

تتيح منصات مثل BookTok وGoodreads وWattpad مساحات للمراجعات واكتشاف الكتب، وقد تمنح أعمالًا محدودة الحضور جمهورًا أوسع. غير أن خوارزميات التوصية ترتب ما يظهر اعتمادًا على التفاعل والاهتمامات، فتعزز الأعمال الرائجة والأنواع المألوفة، وتضغط على التجارب الأقل تداولًا. ولا تفرض المنصات ذائقة موحدة بالضرورة، لكنها تجعل الوصول إلى النصوص متأثرًا بآليات تقنية وتجارية، مثل ترتيب الظهور، والتقييمات، والمراجعات المزيفة، واقتصاد الانتباه. لذلك تظل القراءة النقدية ضرورية لفهم البناء الفني والسياق التاريخي والثقافي، ولتمييز الشهرة من القيمة الأدبية.

تتطلب المكانة العالمية تفاعل الخصائص الفنية للعمل، وجودة الترجمة، والمؤسسات التي تنتجه وتوزعه. والترجمة ليست نقل معنى فقط، بل تعامل مع الأسلوب والإيقاع والإشارات الثقافية. وقد تحجب الترجمة الضعيفة جوانب من النص، بينما تُظهر الجيدة خصوصيته وقابلية قراءته في ثقافة أخرى. ولا يمكن فهم حركة الترجمة من دون حقوق المؤلف، وأجور المترجمين، وعقود النشر، وتكاليف الإنتاج، وسياسات الدعم. وتضيف أدوات الذكاء الاصطناعي أسئلة حول مصادر التدريب، وحقوق المؤلف، ومسؤولية المترجم والناشر عن الجودة والدقة.

يسهم القارئ العربي في تداول الأدب العالمي عبر نوادي القراءة والمراجعات والمناقشات الرقمية، ويمكنه تقديم الأدب العربي إلى قراء آخرين. وتوضح تجربة نجيب محفوظ، الحائز جائزة نوبل عام 1988، أهمية الترجمة والتلقي النقدي والاهتمام الثقافي. كما أسهمت رواية «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي في تعريف قراء خارج العراق بتجربة محلية تطرح أسئلة أوسع. لكن الترجمة من العربية وإليها لا تزال غير متوازنة، وتتأثر بالفجوة الرقمية وضعف البنية المؤسسية.

لا تتعارض القراءة المطبوعة مع الرقمية، ولا تكفي المنصات وحدها لتفسير حركة الأدب بين الثقافات. فالمنصات توسع التداول، بينما تشكل الترجمة والنقد والمؤسسات والقراء الحضور العالمي. والفرصة أن تتحول سرعة الوصول إلى بداية لقراءة أعمق، وأن يشارك القارئ العربي في اكتشاف أدب العالم وفي إتاحة أدبه للآخرين، مع الحفاظ على خصوصية النصوص وتعدد طرائق فهمها.

بقلم : ماجد القيسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى