كتاب وشعراء

قراءة في قصيدة * الرجل الذي لم يلتفت إلى اسمه* للشاعر الكردي السوري زكريا شيخ أحمد بقلم: محمد وليد يوسف

جماليات التفتت البصري و سيكولوجيا الصدمة في الشعر السوري الحديث

قراءة في قصيدة * الرجل الذي لم يلتفت إلى اسمه* للشاعر الكردي السوري زكريا شيخ أحمد

بقلم: محمد وليد يوسف

يتسبب سقوط القذيفة الأولى في تفتيت الإسمنت وتشظي المنظومة البصرية والوعي الحسي للإنسان الذي يمر بالتجربة.
في الشعر السوري المعاصر أصبحت الحرب بنية داخلية تعيد صياغة علاقة الذات بالجسد، بالمكان و باللغة.
تقدم قصيدة الشاعر الكردي السوري زكريا شيخ أحمد “الرجل الذي لم يلتفت إلى اسمه” نموذجاً شاهقاً وجارحاً لأدب الصدمة
حيث يتحول النص إلى ألبوم من الصور البصرية المشوهة والمقلوبة، كآلية دفاعية وحيدة للبقاء على قيد الوعي.

القصيدة مبنية بذكاء السينما السريالية (الواقعية السحرية)

1 – انفصام الهوية البصرية: الجسد كآخر ميكانيكي

تبدأ القصيدة بحركة بصرية مفاجئة وصادمة: “خرجتُ من جسدي كي أراه للمرة الأولى”.

هذا الخروج تجسيد دقيق لحالة الانفصام النفسي التي تصيب ضحايا الصدمات الكبرى. عندما يعجز الوعي عن تحمل وطأة الألم والواقع، فإنه ينفصل عن الجسد، ويقف متفرجاً عليه من الأعلى ليحمي نفسه من الانهيار.
تبلغ المفارقة ذروتها حين يرى المتكلم جسده مستلقياً وإلى جواره
“تقرير طبي يؤكد أنني ما زلت حياً”.
هنا تسقط حواس الإنسان ويصبح اليقين بالوجود قادماً من ورقة بيروقراطية باردة. وعندما ينادي المتكلم جسده باسمه فيقابل ذلك التجاهل، تنكشف عمق الفجوة:
الاسم الذي منحه المجتمع للفرد فقد صلاحيته لتعريفه والجسد بات يعيش في غيبوبة وظيفية يستجيب عاطفياً لاسم الأم ببكاء قصير، ثم يعود فوراً إلى نومه.
الغربة هنا هي عجز الوعي عن إيقاظ الجسد المستلب.

2. سريالية المرآة وانقلاب المنظومة الأخلاقية للعالم

في مقطع المرآة والنافذة يضع الشاعر مرآة أمام النافذة ليرى العالم من “الجهة الأخرى”. هذه الحركة البصرية إعلان صريح عن سقوط اليقين الحسي.
العالم اتخذ شكلاً معوجاً مما يتطلب النظر إليه عبر انعكاس موارب.
الصور الثلاث التي تمر من أمام النافذة تلخص تشوه المنطق الأخلاقي والإنساني في زمن الكوارث:

التصفيق في الجنازة:
أصبح الموت فرجاً و اعتياداً بليداً يُحتفى بنهايته.

إغلاق النوافذ في العرس:
بات الفرح تهمة وعبئاً وخطراً يجب الاحتماء منه مواربةً.

البحر الذي يتبع طفلاً يحمل سمكة ميتة:
هذه الصورة السريالية هي ذروة التفتت البصري: حيث يختل التوازن بين الكل والجزء. البحر الهائل بموجه وعمقه يتحول إلى تابع لسمكة صغيرة ميتة.
الموت الصغير في التجربة السورية أصبح هو المغناطيس العملاق الذي يجر خلفه جغرافيا العالم وتاريخه.
الشاعر يتقبل جهله أمام هذه المشاهد ويطلق نبوءة معرفية:
“فالذين يملكون تفسيراً لكل شيء، لا يتركون للمعجزة مكاناً كي تدخل دون أن تبرز هوّيتها”.

إن إصرار العالم على عقلنة المأساة وتأطيرها بالتحليلات السياسية والتقارير الإخبارية يقضي على البُعد المأساوي الروحي للتجربة.

3- الذاكرة القومية كعضو مبتور: خصوصية التغريبة الكردية السورية

ينتقل النص إلى معالجة الصدمة عبر اللغة والمكان
وهنا تبرز الخصوصية الثقافية والقومية لزكريا شيخ أحمد كشاعر كردي سوري رضع من الذاكرة الشفوية لقرية “معراته” في عفرين. يعلن المتكلم انتماءه الحاد:

“أنا من جهةٍ إذا نطق اسمَه أحدٌ انخفض صوتُه كأنّه يعتذر
من لغةٍ تخبّئ موتاها في الحروف”

هذا الانخفاض في الصوت يحمل دلالات سيكولوجية عميقة ترتبط بالتوجس التاريخي والمحو الهوياتي المتراكم عبر الأجيال والنزوح المتكرر. تتحول اللغة العربية التي يكتب بها الشاعر إلى فضاء صدمي آخر :
لغة غريبة مثقلة بذاكرة الفقد يسير فيها الأحياء بحذر كمن يتعثر بالجثث أثناء القراءة.
يتجلى هذا في مشهد الأب السريالي:

“كلما كتبتُ كلمةً خرج منها رجلٌ يشبه أبي و مضى إلى الحرب…
و كلما محوتُها عاد أبي، لكنه كان ينقص إصبعاً في كل مرة”.

الذاكرة المصدومة بالتغريبة والشتات تعيد الغائبين مشوهين ومقضومين. والمحو (النسيان القسري) يعطّل ملامحهم تدريجياً. من هنا تنبثق الجملة الوجودية الكثيفة:

“ليس كل ما يختفي ينجو”.
الغياب، سواء بالهجرة من عفرين إلى حلب وصولاً إلى ألمانيا أو بالموت الصريح هو نقصان متدفق وجرح سوري ملتاع يأكل من الذات.

4 _ بائع الخرائط وتأطير الشتات

في الشارع، يتسع المنفى ليصبح عاماً: “كان الناس يحملون بيوتهم فوق ظهورهم”.

يتحول البيت من مكان للأمان إلى حِمل ثقيل وملازم للغريب في منافيه الجديدة.
وفي هذا الفضاء، يظهر “بائع خرائط العودة” الذي يعلق الاتجاهات ويفضل الاحتفاظ بها لأن “الوصول يفسد البضاعة”. هذا نقد لاذع وسوداوي لتجارة الشعارات وتأطير الحلم: حيث يصبح الأمل بالعودة للوطن التاريخي سلعة رابحة طالما أنها معلقة. وحين يشتري المتكلم خريطة بلا جهات ويسأل عن بيته، يأتيه الجواب النفسي العميق: البيت يقع في الجهة التي تشير إليها أصابعك في حالة الصدق المطلق. العودة والوطن مسألة مواجهة أخلاقية ووجودية مع الذات.

5 – التواطؤ الصامت وعزلة القلب الاختيارية

في نهاية القصيدة، يعود الوعي إلى الجسد في الصباح ليجده قد نهض، غسل وجهه، اشترى الخبز، وداعب الجارة بالحديث عن الطقس الجميل.

الجسد يؤدي قناعه الاجتماعي بكفاءة ميكانيكية مذهلة في شوارع المهجر، في حين أن الذات الحقيقية تقف خلف النافذة، تسمع قلبها يطرق من الداخل “باباً لا يؤدي إلى الخارج”.

العبارة الختامية الحاسمة:

“لم أفتح له”

هي إعلان عن النتيجة الحتمية للصدمة النفسية:
التواطؤ الصامت بين الجسد الآلي والروح الحبيسة.
الشاعر يغلق الباب أمام قلبه (عواطفه) لأن تدفق الذاكرة والمشاعر الحقيقية كفيل بتدمير هذا الاستقرار الهش والروتيني الذي يضمن له البقاء.

في «الرجل الذي لم يلتفت إلى اسمه»
يكتب زكريا شيخ أحمد مرثية لجيل كامل تفككت حواسه بفعل الحرب والتهجير. النص يبحث عن “إنسان صالح للسكن”.

لقد تحول الكائن السوري في هذه القصيدة من باحث عن ملاذ آمن في أصقاع الأرض إلى كائن يخاف من أعماقه الخاصة
ويفضل العيش في العزلة الاختيارية خلف أبواب موصدة تؤدي إلى الداخل فقط.

نحن أمام نص شعري شاهق كُتب بماء الروح المنهكة
و عبقري يكمن عبقريته في تقديمه الحرب والشتات ليس كقذائف وهدم خارجي وإنما كـ “زلزال داخلي” يعيد ترتيب صلة الإنسان بجسده وبيته ولغته وذاكرته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى