كتاب وشعراء

قصة قصيرة ” بلاستيك ممتاز لا ينكسر ” زكريا شيخ أحمد / سوريا

كان اسمه منصور، لكنه في ذلك اليوم بدا أقرب للهزيمة.
وقف منصور في منتصف “سوق البلاستيك الكبير” و هو زقاق طويل يمتد تحت سقف من الصفيح، تفوح منه رائحة المطاط المحروق و البلاستيك المعاد تدويره.
يميناً و يساراً يصرخ الباعة مستعرضين بضائعهم:
كراسي بلاستيكية ملونة، أحواض غسيل خفيفة، دمى مجوفة تصدر صفيراً مزعجاً و ملاعق للاستخدام المرة الواحدة.
كُل شيء هناك رخيص، متشابه و سريع الكسر.
وسط هذا الصخب فرش منصور مخملته الحمراء الفاخرة على طاولة خشبية متهالكة و رتّب عليها بضاعته:
جواهر حقيقية. ألماس خام يبرق مع كل شعاع شمس يتسلل من الثقوب، ياقوت أحمر يتوهج كالجمر، زمرد أخضر يكاد ينطق من شدة النقاء. تعب منصور سنوات في جمعها وصقلها و ظن أن السوق سيهتز لجمالها.
بدأت المفارقة المضحكة المبكية مع أول زبون رجل خمسيني يرتدي قبقاباً بلاستيكياً و يسحب خلفه عربة بضائع.
توقف الرجل و نظر إلى قطعة زمرد بحجم عين الصقر، التقطها بيده الخشنة، و قرّبها من عينه ثم ضربها بأظافره ليسمع رنينها.
تنحنح منصور باعتزاز و قال: “زمرد كولومبي نادر يا سيدي، صُقل بعناية”.
قطب الرجل جبينه و قال باستهزاء: “رنينها مكتوم و ثقيلة جداً!
أليس لديك منها نوع أخف؟ أريدها كزينة لسيارة ابني اللعبة و لكن هذه إذا سقطت ستكسر البلاستيك!”.
ثم رماها على المخملة و مضى و هو يتمتم: “غش تجاري… حتى البلاستيك لم يعودوا يتقنون صنعه”.
انفجرت أسارير منصور بابتسامة ذهول ساخرة. لم يتركه الوقت ليفيق حتى أقبلت امرأة تبحث عن طوق لقطتها.
رأت عقداً من الألماس الحر يتلألأ،
فسألت بلهفة:
“بكم هذا الطوق الأبيض؟”
أجابها منصور بأدب:
“هذا ألماس حر يا سيدتي، سعره عشرة آلاف دولار”.
برقت عينا المرأة صدمة ثم أطلقت ضحكة مدوية هزت أركان الزقاق و التفتت إلى جارتها قائلة:
“تخيلي! يبيع بلاستيكاً صينياً شديد اللمعان و يزعم أنه ألماس بعشرة آلاف!
يا رجل الباعة جيرانك يبيعون دزينة الأطواق الملونة بدولارين و تعيش مع القطة دهرأً لأنها لا تنكسر!”
تحول ذهول منصور إلى نوبة ضحك صامتة. نظر إلى جاره “أبو السعد” الذي كان يبيع “قباقيب بلاستيكية” و”أباريق حمام” ملونة
و كان يزدحم حوله البشر كالنمل، يدفعون بانتظام و يخرجون مستبشرين.
في نهاية اليوم … بينما كان جيرانه يعدون رزم الأموال الفئوية الصغيرة كان منصور يمسح الغبار المتطاير من الأطباق البلاستيكية عن ألماسه النقي.
اقترب منه طفل صغير ، أشار بأصبعه إلى ياقوتة حمراء ساحرة و قال:
“عمو بكم هذه الطابة الزجاجية؟ أريد أن ألعب بها مع أصدقائي في الحارة”.
نظر منصور إلى الطفل، ثم إلى الياقوتة التي تساوي ثروة و نظر إلى السوق الصاخب بالزيف.
ابتسم ابتسامة متهكمة و التقط أغلى ياقوتة و وضعها في يد الطفل قائلاً:
“خذها يا بني مجاناً.. العب بها و إذا سألك أصحابك
قل لهم إنها بلاستيك ممتاز من النوع الذي لا ينكسر”.
حزم منصور مخملته الحمراء و أغلق صندوق الجواهر و خرج من السوق و هو يضحك من أعماقه بصوت يملؤه البكاء، مدركاً أن المأساة ليست في رخص البلاستيك و إنما في أن العيون اعتادت عليه حتى صار النقاء عيباً يُرفض.
أن النهاية كانت معبرة و كافية؟

خرج من السوق و هو يضحك من أعماقه بصوت يملؤه البكاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى