أخبار عالميهرؤي ومقالات

عبده زعلوك يكتب: حين يصبح الخبر سلاحا

رسالة

من خداع أكتوبر 1973 إلى إخفاقات التقدير الاستخباراتي: كيف تحولت الاخبار الصحفية إلى أداة لتضليل الخصم؟
في أكتوبر 1973، أعلنت وزارة الخارجية المصرية أن الأميرة مارغريت، شقيقة الملكة إليزابيث الثانية، ستزور القاهرة في السابع من الشهر. ونسقت الوزارة، بالتعاون مع المخابرات العامة، مع السفارة البريطانية تفاصيل الزيارة حتى اللحظات الأخيرة، بينما كانت القوات المسلحة تستعد لبدء الحرب في اليوم السابق للموعد
لم تكن الزيارة تفصيلًا بروتوكوليا عابرا، بل واحدة من الإشارات التي ساهمت في تقديم صورة عن مصر المنشغلة بأنشطتها الدبلوماسية المعتادة، لا دولة تستعد لشن حرب واسعة بعد ساعات، كانت الحرب تقترب، فيما استمر التقويم الرسمي في الإعلان عن مواعيد لفعاليات لن تأتي كما تصور أصحابها
كانت المعضلة أن مصر لا تستطيع إخفاء تحركاتها بالكامل. الجبهة المصرية تحت المراقبة الإسرائيلية، عبر طلعات الاستطلاع جوي منتظمة، وأقمار أمريكية، وأبراج مراقبة على خط بارليف يبلغ ارتفاع كل منها نحو 30 مترًا. لذلك لم يكن المطلوب إخفاء الاستعدادات العسكرية، وإنما أن تظهر في سياق لا يكشف غرضها الحقيقي. وهنا انتقلت الخطة من محاولة حجب المعلومات إلى إدارة المعلومات ، ومن إخفاء التحركات إلى توظيف ما يمكن أن يراه الخصم ويقرأه ويستنتجه.
بدات الخطة من مايو 1971، ناقش الرئيس أنور السادات تصوراتها في يوليو 1972، وبدأ تنفيذها فعليًا في 26 أكتوبر 1972 مع تعيين أحمد إسماعيل وزيرًا للحربية . وشملت إشارات سياسية ودبلوماسية متتابعة، من بينها إنهاء وجود الخبراء السوفييت في يوليو 1972، وجولة السادات الخليجية في أغسطس 1973، والتحركات الدبلوماسية المصرية في الخارج، والحديث عن مشروع أنبوب نفط يربط السويس بالبحر المتوسط.
لم تقتصر الإشارات الموجهة إلى الخارج على التحركات الدبلوماسية والعسكرية، بل امتدت إلى الخطاب السياسي للرئيس السادات نفسه. فقد حرصت القاهرة على تقديم صورة توحي بأن خياراتها الاستراتيجية لا تتضمن عملًا عسكريًا وشيكًا شرق القناة، وأن تحركات قواتها تندرج أساسًا في إطار الاستعداد الدفاعي.
وكان خطاب السادات جزءًا من هذه الصورة المتناقضة. ففي لقائه بضباط القوات البحرية بقاعدة أبي قير في 22 يونيو 1971، قال: إنني أقول لكم ولشعبنا بكل أمانة ووضوح إن سنة 1971 هي سنة حاسمة، ولا يمكن أن يطول انتظارنا إلى الأبد، فلنكن دائمًا مستعدين، ثم عاد في 13 يناير 1972، ليقدم رواية مختلفة عن فرص الحسم العسكري، قائلًا: “أنا قلت إن عام 71 عام الحسم، وتعليماتي للقائد العام الفريق الأول صادق كانت جاهزة، واتنفذت إلى آخر مرحلة، وقفت زي ما حكيت لكم بسبب الضباب اللي حصل، لأن الضباب ده مماثل لضباب يوم الأحد 9 يوليو سنة 67”
أسهم هذا التباين في تكريس صورة ملتبسة عن الموقف المصري؛ فبينما حمل خطاب السادات إشارات إلى قرب الحسم، قدمت تفسيراته اللاحقة صورة عن تعثر القرار العسكري وتأجيله. وتزامن ذلك مع تصاعد الغضب في الأوساط الطلابية المصرية منذ 15 يناير 1972، بما أتاح تقديم المشهد الداخلي باعتباره مؤشرًا إضافيًا على انشغال القيادة بأزماتها السياسية، لا باستعدادها لحرب وشيكة

وفي الأسابيع الأخيرة، كثفت الصحف المصرية من الاخبار المضللة عن التحركات العسكرية على الجبهة، وعن زيارة لوزير الدفاع الروماني في الثامن منه حيث اخفت رفع درجة الاستعداد في الوحدات العسكرية والمطارات المصرية قبل وخلال الفترة من 22 إلى 25 سبتمبر، وتقديم التحركات الجوية بايحاء تدريبات معتادة
هكذا لم يكن الخبر الصحفي مجرد وسيلة لنقل الحدث، بل جزءًا من بناء صورة متكاملة عن واقع مختلف عن الاستعدادات العسكرية الجارية. وهو ما اكدته وثائق نشرتها وزارة الدفاع المصرية في 2024 عن أهمية دور الاعلام خاصة العسكري في الإعداد والتخطيط لحرب أكتوبر وتشير دراسات تناولت الخطة إلى أن الإعلام لم يكن مجرد ناقل للأحداث، بل شارك في إدارة تدفق المعلومات وتقديم صورة عن الأوضاع السياسية والداخلية المصرية لا تعكس حقيقة الاستعدادات العسكرية.
وقد تناولت هذه المسألة خلال استضافتي في برنامج بنصبح عليك، تقديم الإعلامية دينا المغربي، في مناقشة دور الإعلام المصري فى حرب أكتوبر. وكيف ساهمت الأخبار ذات الطابع الاعتيادي في تقديم صورة عن الحياة اليومية لا توحي بقرب المواجهة
لم تكن أهمية هذه الأخبار في مضمونها المنفرد، بل في الرسالة التي صنعتها مجتمعة؛ إذ ساعدت على تقديم صورة عن استمرار الحياة بصورة طبيعية، بالتوازي مع تهيئة الجبهة الداخلية. وهنا يظهر أحد أوجه توظيف الإعلام في الحرب: إدارة ما يراه الجمهور وما يستنتجه من تفاصيل تبدو عادية، لكنها تكتسب دلالة مختلفة عندما توضع ضمن سياق خطة استراتيجية أوسع.
نجاح الخداع لا يكتمل بالرواية المصرية وحدها. فقد كشفت لجنة التحقيق الإسرائيلية أجرانات، التي بحثت أسباب الإخفاق في توقع الحرب، عن جانب آخر من المعادلة: تمسك القيادة العسكرية بما عرف بـ المفهوم، القائم على الاعتقاد بأن مصر لن تشن حربًا قبل امتلاك قدرة جوية كافية لضرب عمق إسرائيل
وهكذا لم تكن المشكلة الإسرائيلية مجرد نقص في المعلومات، بل إخفاقًا في تفسيرها؛ فالخداع المصري قدم إشارات قابلة لقراءات مضللة، بينما دفع المفهوم الإسرائيلي القيادة إلى ترجيح القراءة التي تتفق مع افتراضاتها المسبقة.
وهنا تحديدًا يصعب الاكتفاء بالفخر بالنجاح العسكري، دون التوقف أمام الأسئلة التي يثيرها استخدام الإعلام في هذه العملية. إذا كان الإعلام المصري جزءًا من خطة دولة لتضليل خصمها، فما معنى الخبر عندما يصبح أداة استراتيجية؟ وماذا عن ثقة القارئ المحلي في الأخبار التي يقرأها؟ هل يختلف الأمر عندما يكون التضليل موجهًا إلى الخصم الخارجي، بينما يتلقى الجمهور الداخلي الرسائل نفسها دون معرفة الغرض منها؟ وأين تقع الحدود بين مقتضيات الأمن القومي وحق الجمهور في معرفة حقيقة ما يجري؟
لا تجيب الوثائق المنشورة عن هذه الأسئلة بالتفصيل، لكنها تفتح بابًا لمناقشة علاقة الصحافة بالتهديدات الخارجية، وحدود استقلالها عندما تصبح جزءًا من استراتيجية أوسع لإدارة المعلومات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى