سمير زين العابدين يكتب :وهم “الدم المصري” في واشنطن
لماذا لا يساوي فوز "عبدول السيد" أي قيمة للمصريين؟

:
في غمرة الصخب الذي اجتاح منصات التواصل الاجتماعي وبعض الدوائر السياسية العربية، احتفى الكثيرون بـ “الإنجاز التاريخي” الذي حققه الديمقراطي التقدمي عبد الرحمن السيد (عبدول السيد) كأول سيناتور مسلم من أصول مصرية يصل إلى مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان.
غير أن هذا الاحتفاء العاطفي، المعتاد مع كل تفوق لشخص يحمل جينات شرقية في الغرب، يصطدم بصخرة الواقعية السياسية التي تؤكد حقيقة واحدة مجردة:
هذا الفوز لا يمثل مكسباً ولا خسارة للمواطن المصري المأزوم، والجدل الدائر حوله ليس سوى زوبعة في فنجان إعلامي.
السياسي الغربي: منتج محلي بملامح شرقية
الخطأ القاتل الذي تقع فيه الشريحة المحتفية بـ “عبدول السيد” هو خلطها بين “الأصل العائلي” والولاء السياسي.
فالرجل هو منتج خالص للنظام السياسي والاجتماعي الأمريكي؛ ولد ونشأ وتعلّم في كبرى جامعاتها (ميشيغان وأكسفورد وكولومبيا)، وتشكّل وعيه بالكامل عبر عدسة “اليسار التقدمي الأمريكي”.
حتى في دائرته الاجتماعية الشخصية، تظهر الهوية العابرة للقوميات؛ فزوجته هندية الأصل، وهو ما يجعل استدعاءه لجذوره المصرية مجرد أداة براغماتية تُستخدم في المواسم الانتخابية لمخاطبة الكتلة التصويتية الضخمة من العرب والمسلمين في ميشيغان.
أما عند صياغة السياسات والمواقف، فهو يتحرك كأمريكي صرف يخدم مشروعه السياسي الداخلي أولاً وأخيراً.
“سائق التاكسي” والولاءات المسبقة: لماذا لا نرى فخراً؟
لم تكن تصريحات السيد أو إرث عائلته يوماً مصدراً للفخر الوطني التقليدي بمصر. فعندما لمح في خطابه الانتخابي إلى أنه كان من الممكن أن يصبح “سائق سيارة أجرة” لو لم يهاجر والده إلى أمريكا، لم يكن يمتدح بلده الأصلي، بل كان يوظف البروباغندا الأمريكية المعتادة حول “الحلم الأمريكي” على حساب صورة وطنه الأم.
علاوة على ذلك، فإن الامتداد الأيديولوجي المنسوب لعائلته ومواقفه القديمة – مثل توقيعه في عام 2012 على رسالة تدعم جماعة الإخوان المسلمين وتطالب بتطهير الشرطة والإعلام – يضعه في خانة الصراع والاستقطاب السياسي الحزبي. هذه المواقف تجعل منه طرفاً في خصومة أيديولوجية، وليس مدافعاً عن كيان الدولة أو مصالح الشعب المصري ككل.
تاريخ من تجارب الغرب:
السياسيون يتبعون أحزابهم، والتكنوقراط يدعمون أوطانهم
إذا نظرنا إلى خريطة الشخصيات ذات الأصول المصرية التي تبوأت مكانة رفيعة في الغرب، نجد قانوناً ثابتاً:
السياسيون محكومون ببرامج أحزابهم وصناديق اقتراعهم، بينما العلماء والتكنوقراط هم من يقدمون الدعم الحقيقي.
• النموذج السياسي المنتقد:
على خطى عبدول السيد، تبرز وجوه في الغرب مثل الناشط الحقوقي محمد سلطان، أو الباحث عمرو مجدي (هيومن رايتس ووتش)، والذين يتخذون من العواصم الغربية منصات للهجوم والنقد المستمر لملفات العدالة والحرية في مصر، بهدف دفع الحكومات الغربية لفرض ضغوط أو تقليص المساعدات. وهم في ذلك لا يغيرون من واقع المواطن شيئاً، بل يساهمون في زيادة الضجيج السياسي.
• النموذج التكنوقراطي الداعم:
في المقابل، نجد أن أسماء مثل عالم الكيمياء الراحل أحمد زويل (الذي أسس مدينة علمية) أو الخبير الاقتصادي محمد العريان (الذي قدم استشارات هيكلية للاقتصاد)، استطاعوا تقديم نفع ملموس للمجتمع المصري لأنهم تحركوا من أرضية علمية وتنموية بعيدة عن دهاليز السياسة الغربية وضغوط الحزبية.
واحد من مائة: سيناتور لن يهدم “المؤسسة العميقة”
المبالغة في تقدير أثر “عبدول السيد” تتجاهل آليات الحكم في واشنطن. فهو في النهاية صوت واحد من بين 100 عضو في مجلس الشيوخ.
والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه مصر تحكمها “الدولة العميقة” والمصالح الاستراتيجية الثابتة للحزبين (الديمقراطي والجمهوري).
وحتى لو رفع التيار التقدمي سقف الخطاب النقدي حول ملفات حقوق الإنسان وحرية التعبير والفشل الاقتصادي، فإن الخطوط الحمراء لإدارة واشنطن – مثل حماية التوازن العسكري الإقليمي، وتأمين قناة السويس، ودور القاهرة الحيوي والحتمي في أزمات المنطقة كملف غزة – تظل هي الحاكمة في النهاية، وتتجاوز التوجهات الأيديولوجية للأفراد.
الخلاصة: التغيير لا يأتي عبر البحار
إن التغيير الحقيقي وإصلاح ملفات العدالة والحرية وحقوق الإنسان، وتجاوز الأزمات الاقتصادية الخانقة، هو شأن داخلي بامتياز؛ يصنعه مجتمع الدولة ونخبها الواعية على الأرض. أما الرهان على صعود نجم سياسي في واشنطن أو لندن لمجرد أن والده ولد في الدلتا أو الصعيد، فهو ضرب من الوهم البصري.
عبد الرحمن السيد لم ولن يمثل مكسباً أو خسارة للمواطن المصري؛ هو سياسي أمريكي بملامح شرقية، والجدل حوله لا يسمن ولا يغني من جوع في واقع مصري يبحث عن حلول حقيقية تنبع من الداخل لا من وراء البحار.
#بالعقل_والهداوة