السبت , يناير 16 2021

رياض حسن محرم يكتب …..فى ذكرى صلاح حسين..شهيد الفلاحين

    ” فوق كل مائدة طعام .. يوجد شئ من جهد فلاح جائع “

                                                    صلاح حسين

  اغتيل صلاح حسين بيد الإقطاع فى الثلاثين من إبريل عام 1965″عشية عيد العمال” فى لحظة تاريخية مفصلية, حين بدأت مظاهر الترهل على التجربة الناصرية, وعدم القدرة على الإستكمال الناجح للخطة الخمسية الأولى (60-1965) , وإكتمال المؤامرة التي استدرجت اليها مصر فى 1967, فى تلك الأثناء بدأت القوى الرجعية تستعيد بعض نشاطها لتتآمرعلى الحركة الوطنية, وتمثل ذلك فى مؤامرة الإخوان فى 1965, وذلك بعد توريط النظام المصرى فى حرب ضروس فى اليمن أثرت بلا شك على قدرته فى صد العدوان.

    ظل صلاح حسين منذ أن تشكل وعيه بداية شبابه فى البحث عن بوصلة تساعده في تحديد الطريق الواضح للعمل, خاض فى سبيل ذلك تجارب عديدة متناقضة متأرجحا بين الإنتماء لجماعة الإخوان المسلمين إلى الفكر القومي المتطرف ممثلا بحزب مصر الفتاة، إنتقل بعدها إلى الإيمان الراسخ بثورة يوليو 52 لينتهي به المسار للوقوف على مشارف الماركسية, بعد أن تعرفت رفيقة حياته وابنة خاله شاهندة على الفكر الماركسي من خلال دراستها فى شبين الكوم على يد معلمتها الشيوعية  “وداد متري”.

    عاد صلاح من فلسطين بعد مشاركته فى الحرب بصفوف الفدائيين العرب”حركة الضابط أحمد عبد العزيز” وقد إتجهت أنظاره الى الداخل، وتحديدا الى قريته “كمشيش” حيث يوجد نموذج من أبشع أنواع الإقطاع فى ذلك العصر متمثلا فى عائلة الفقى الإقطاعية وعلى رأسها عميدها ” صلاح الفقى”، فى تلك الأيام كانت مديرية المنوفية تحتلها مجموعة من العائلات الإقطاعية عريقة فى خيانتها للوطن منذ الثورة العرابية ممثلة فى عائلات الفقى وعبد الغفار وأبو حسين وغيرها، كانت هذه العائلات تمتلك الأرض ومن عليها من فلاحين فقراء، وكان لها خفرائها ومرتزقتها وسجونها وجلاديها وتنفذ قانونها بيدها، وتقيم أبشع أنظمة السخرة قهرا فكان الفلاحين يرغمون على العمل فى أرض الإقطاعى ” الوسية” بدون أجر ويجبرون على تقديم بناتهم للعمل فى قصورهم.

    بدأ الشهيد مسيرته النضالية مكونا مجموعة من الطلاب الحالمين بتغيير واقعهم والذين عاصروا قهر عائلة الفقى وجبروتها حيث كان للعمدة “صلاح الفقى” سطوة شديدة، فقد كان يمنعهم من ارتداء الأحذية فى أرجلهم والطواقى على رؤوسهم وعدم المرور من أمام قصره، ويقف حجر عثرة أمام كل محاولات التعليم بإغلاقه المدرسة الوحيدة فى القرية، لذا كان توقهم عارما للتخلص من هذا الجبروت والثورة عليه، سرعان ما تحولقوا حول صلاح حسين بصفته اكثرهم خبرة وثقافة ويملك مبكرا تلك الشخصية القيادية، يقول صلاح حسين واصفا هذا المشهد(.. هبت روح الثورة عاتية على مجتمعنا القديم وخرج الطلبة في شوارع شبين الكوم يهتفون “إلى أنقرة يا ابن المرة” وذلك عقب هزيمتنا في فلسطين، وكان لا بد أن نتأثر بهذا التيار وكان الطلبة في هذه الحالة هم القوة الثورية التي يمكن أن تبدأ العمل الثوري..). .

    كانت المشكلة الكبرى لهذه المجموعة الثورية من الطلاب هى كيفية  الإلتحام بالطبقة التى يسعون الى تحريرها وهم الفلاحين، ولم يكن ذلك ممكنا فى ظل الوضع القائم من قبضة حديدية لعائلة الفقى، وأيضا لحالة الشك الموروثة لدى الفلاح المصرى، ولم يكن ذلك ممكنا الا من خلال معارك حقيقية على أرض الواقع ضد الإقطاع، وحاولت تلك المجموعة  إيصال صوتهم من خلال تحريض الفلاحين ضد نظام السخرة، وانتهزوا مناسبة عزاء فى القرية ليرتفع صوت صلاح حسين فى سرادق العزاء (.. أيها الفلاحون ارفضوا السخرة طالبوا بأراضيكم المغتصبة عيشوا أحرارًا فوق أرضكم..)، وكانت تلك هى المرة الأولى التى يجرؤ فيها صوت على هذه المواجهه وتحدى الإقطاع، ويبدأ الفلاحين الإستجابة لهذا النداء وترفض اعداد كثيرة منهم الذهاب الى أرض الوسية، ليقوم العمدة صلاح الفقى بالقبض على صلاح حسين وعدد من رفاقه وايداعهم سجنه الخاص وتعذيبهم ولكنهم يستطيعون إيصال صوتهم الى مديرية الأمن  ليحدث تدخل وتحقيق على أثره تتم إقالة العمدة، ولكنه سرعان ما يعود مرة أخرى محتميا بنفوذه وسلطته، وكانت النتيجة هى تحقيق أول انتصار صغير للفلاحين فى مواجهة الإقطاع وفى نفس الوقت اكتسب صلاح حسين ورفاقه ثقة الفلاحين الفقراء الذين أطلقوا عليهم إسم ” الأحرار”.

    تفتحت شهية الفلاحين لخوض الصراع ضد مغتصبيهم فكانت المعركة الأولى عام 1952 حين  استطاع الفلاحين هدم سد أقامته أسرة الفقى لحجز المياه عنهم لتبوير أراضيهم وتسهيل الإستيلاء عليها فيما عرف بمعركة السد، وفى عام 1953كانت المعركة الثانية التى عرفت بإسم “معركة الملال” وهى قناة صغيرة شقها الإقطاع داخل اراضى الفلاحين لتمرير مياه الرى الى أراضيه وحرمان أراضى الفلاحين منها، فقرروا  القيام بردمها، وحدثت معركة كبيرة بينهم وبين أعوان الإقطاع إنتهت بإصابة 17 فلاحا وفلاحة، وعندما فشل أعوان الإقطاع وخدمه فى التصدى لحركة الفلاحين استعانوا بمرتزقة من الأعراب “الذين كانوا منتشرين هم والغجر فى الريف المصرى” وكان هؤلاء الأعراب يتم إكترائهم للقيام بعمليات القتل وغيرها من العمليات الإجرامية ودارت معارك بينهم وبين الفلاحين كانت تنتهى عادة بتدخل السلطات ضد الفلاحين والقيام بنشر الهجانة على ظهور الجمال وحظر التجول، وقد إستمرت تلك المواجهات التى دفع فيها الفلاحين من دمائهم الكثير دفاعا عن أرضهم وحريتهم ومن بينهم الشهداء “أبو زيد أبو رواش وعبد الحميد عنتر”.

إستبشر الفلاحين فى قرية كمشيش كثيرا بثورة يوليو 1952 وتحمسوا بشدة لها وخاصة أنها رفعت شعار إزالة الإقطاع ووكان من أسباب فخرهم  البرقية التى أرسلها ضابط بوليس وطنى من قريتهم تأييدا لها وهو “عبد الحميد شوقى مقلد” ( لم يكن صدفه أنه والد المناضلة “شاهندة مقلد” زوجة صلاح حسين ورفيقة رحلته) وإشتدت ثورتهم على الإقطاع، لكن خاب أمل هؤلاء الفلاحين حين حاول مجلس قيادة الثورة تشكيل لجنة وساطة بين صلاح الفقى وبينهم برئاسة اليوزباشى ” أنور السادات” الذى أظهر انحيازا واضحا لعائلة الفقى “مما سيكون له أثر فى المستقبل من عمق كراهيتهم له”، على أى حال فإن موقف نظام يوليو من الحركة الثورية لفلاحى كمشيش لم يكن وديا فى الغالب وحتى بعد حل الإتحاد القومى وتأسيس الإتحاد الإشتراكى كحزب وحيد للثورة فقد تضمنت قوائم العزل السياسى عائلة الفقى والقيادات الفلاحية “الأحرار” فى آن واحد وعلى رأسهم الشهيد صلاح حسين فى الوقت الذى كانوا ( أى الفلاحين) يعتبرون أنفسهم الرديف الثورى لحركة يوليو مما ترك مرارة فى حلوقهم،  وتأتى كلمات صلاح حسين لصديقه “وسيم خالد” معبرة عن ذلك فى رسالته التى يقول فيها (.. أفبعد هذا وفي فجر الثورة الاشتراكية التي ناضلنا من أجلها نقف والإقطاعيين في حظيرة أعداء الشعب. محال أن يساوي العزل بين من خاضوا المعارك حماية لمؤخرة الثورة وبين من كان يروج الإشاعات عن عودة الملكية..)، وتقول شاهندة فى رسالة منها لجمال عبد الناصر( ثورة 23 يوليو مستمرة في التشوه بمزيد من مهادنة الإقطاع.. الحقيقة واضحة لا تسمحوا بتجاهلها..).

    ورغم وقوف صلاح حسين ورفاقه الى جانب الثورة وصدور قانون الإصلاح الزراعى وعودة معظم الأراضى التى إستولى عليها الإقطاع الى فقراء الفلاحين وصدور قوانين التأميم ومعاداة الإستعمار والإمبريالية فإنها لم تستطع حماية الشهيد صلاح حسين من أن يتم إغتياله على يد الإقطاع وزبانيتة عشية إجتماعه بامين الفلاحين فى الإتحاد الإشتراكى ” عبد الحميد غازى” وتسليمه إياه تقريرتفصيلى عن تحركات الإقطاع والثورة المضادة فى الريف المصرى.

    لقد تحولت ذكرى شهيد الفلاحين “صلاح حسين” الى مؤتمر سنوى للقوى والحركات الثورية وذلك فى قريه كمشيش حيث ينعقد هذا المؤتمر على مدى يومين يتم خلاله عرض ومناقشة “أوراق الحركة الفلاحية وضعها وآفاق تطورها” فى اليوم الأول وصبيحة اليوم الثانى، وفى المساء يقام إحتفال تأبينى يضم نخبة من الشعراء والفنانين، وكم شهدت هذه الأمسيات أصوات ضمت عبد الصبور منير والأبنودى وسيد حجاب وزين العابدين فؤاد وأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسى وعشرات غيرهم يمثلون النبض الحقيقى للشعب المصرى.

    عاشت حركة الشعب المصرى وكافة الشعوب المضطهدة عاليا حتى النصر الأخير والنهائى على كل مضطهديهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: