الإثنين , يناير 25 2021

التابوت….نص أدبي للكاتب محمد بهنس

ثمة شعور يساورني بأني سأموت قريبا. لذا سأكون أكثر جدّية من ذي قبل وسأفضي بما في داخلي تجاه الموت أو الحياة، والحياة والموت باتا سيان مثلما هما السعادة والتعاسة بالنسبة لي أو مثلما هو الليل والنهار أو أي شيء آخر ونقيضه. هل أنا حزين ؟ لست متشائما ولكنني خائف حقا، خائف مما يحدث أو مما لا يحدث. ثمة أشياء لا أفهمها أو أشياء لا تفهمني، ثمة لا شيء. معدتي تنقبض بمجرد أن يرن هاتف، أو يقرع باب، أو حتى لهبوب نسمة. ثمة حيثما التفت طرق موصدة، وأقفال بلا مفاتيح. حين أخرج من صلاة الجمعة يكون أول ما يقابلني هو التابوت، وفي كل مرة أشيح بوجهي عنه اتعثر به، فأظل أرمقه بعينين ذابلتين. أتخيلني محمولا على الأكتاف والرجال يشيعونني إلى مثواي الأخير بخطوات متسارعة تفاخر عن خطواتي لو كنت حيا، ها قد رحل الشاعر المسكين من دون أن يترك شيئا يذكرنا به يقول أحدهم، فيما يهمس آخر لصديقه: أين بيت العزاء ؟ فقط، لغرض الأكل والشراب. التي أحبها تتطلع إلى صوري وتنعتني بالخيانة والخداع لأني سرعان ما غادرتها، والطفل الذي أنا عمّه صدّق بأني في رحلة سياحية وبأني سأجيئه بألعاب وهدايا كثيرة. أمي الطيبة خرجت متضعضعة متهالكة مصرخة إلى الشارع لولا أن أعادها أبي الذي بدا متماسكا إلى حين أدخلوني القبر ؛ لحظتها تماما ارتمى فوق جثتي وراح يقبلني ويحضنني طويلا حتى لكأني أسمع أنفاسه. بت أشعر بأني لا أشعر بشيء. فقدت اللذة بالكامل، لا رغبة لي في شيء. هنالك عجز حتى عن المواصلة، أصبحت عبثيا درويشا في هندامي وفي كلامي، أنا الذي كنت علامة للأناقة، والسنة سنتي وأيامي كلها أعياد في أعياد، ها قد ألبسوني قطعة قماش بالية بلا أكمام لا يطلبها طالب، وبلا امتعاض قبلتها من دون أن أنبس بكلمة. وككل مرة، ها هو أحدهم يربّت على كتفي ويسألني الإنصراف ليغلق المسجد. ها أنا أعود متصدّعا إلى البيت، أنزوي في ركن مبعثر من الغرفة وبمجرد أن أغمضت عيني تجسد التابوت أمامي، ذلك الذي يرافقني في اليقظة والنوم، ظللت أتخبط في مكاني، أروح وأجيء من دون أن أغادر موضعي، غير أنني من دون وعي حشرت رأسي تحت خزانة الألبسة، راح يتكرر شبح التابوت ويتقدم رويدا، حين رفعت رأسي هلعا من رؤيته ضرب رأسي بقوة أسفل الخزانة حتى أغمي عليّ ، حين صحوت مرة أخرى، رحت أتساءل من دون حراك: هل حقا أنا داخل قبر ؟

 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: