كتاب وشعراء

إلى أمي… حبيبتي التي لا تغيب…بقلم د. مصطفى عبد المؤمن

قالَ الصغيرُ وقد رآني شاردًا
أسترجعُ الذكرى وقلبـي مُتعبُ:
“أبتاهُ… ما زلتَ تذكرُ راحلاً؟
ماتتْ سنينًا… هل لجرحِك مَطلبُ؟
أنتَ القويُّ… ولم أراكَ مُبدَّدًا،
وعلى كتفيك من الأبناءِ ما يكفي ويُغني ويَسكبُ،
أوَ ما كفاكَ حنانُنا عن حُضنِها؟
أوَ ما كفاكَ من الحياةِ تجاربُ؟”
فابتسمتُ… وفي ابتسامـي غصَّةٌ،
وبصوتِ حُزنٍ هادئٍ أتقرَّبُ:
يا بُنيَّ… ومن الذي قد قالَ إنَّ
الكِبرَ يُطفئُ ما بالقلبِ يلتهبُ؟
إنَّ القلوبَ مع السنينِ رقيقةٌ،
تزدادُ عطرًا… مثل خمرٍ تُشرَبُ،
تحيا بها الذكرى… وتكبرُ لوعةٌ،
والحبُّ فيها لا يشيخُ ويَغلبُ.
شعري شابَ… نعم، ولكن في دمي
طفلٌ إلى كفِّ الحنانِ يُنسبُ،
طفلٌ إذا ضاقتْ به الدنيا بكى،
واستذكرَ الأحضانَ… كيف تُقرَّبُ.
أبدو أمامَكَ صلبَ عودٍ ثابتٍ،
لكنَّ في صدري اشتياقٌ يُرهِبُ،
أخفي دموعي… لا أريدكَ شاهِدًا،
لكنَّ جرحي في الحشا يتقلَّبُ.
أشتاقُ دعوةَ أُمِّيَ الغرَّاءِ إذ
كانتْ على دربِ الخطى تتعقَّبُ،
تُهدي إليَّ من الدعاءِ مظلَّةً،
وبها من الأقدارِ كنتُ أُحجَبُ.
أشتاقُ نظرتها التي إن أقبلتْ
ذابَ الأسى… وتلاشى المتعبُ،
وكأنها وطنٌ يضُمُّ ضلوعي،
وكأنها سكنٌ… وقلبٌ أرحبُ.
فاسمع وصيَّتي التي لن تنتهي:
لا تُرجِئِ الإحساسَ… فالعمرُ يُنهَبُ،
عِشْ بالقلوبِ… وخُذ من الفرحِ المدى،
فالوقتُ إن ولّى… فلن يستعتبُ.
والزمْ حنانَ الأمِّ ما دامت هنا،
واشربْ من النبعِ الذي لا ينضبُ،
وارتمِ في حضنِ الأمانِ فإنَّهُ
مرفأٌ إذا ضاقتْ عليكَ مراكبُ.
سيجيءُ يومٌ… والليالي شاهِدٌ،
وتضيقُ نفسُكَ… والدروبُ تُخرِّبُ،
فتُفتِّشُ الأحضانَ حينَ توجُّعٍ،
فلا تجدْ… ويضيعُ منك المطلبُ.
حينَ اكتويتَ بنارِ فقدٍ موجعٍ،
ستقولُ: “آهٍ… أينَ ذاكَ الأقربُ؟”
وتعلمُ أنَّ الرجلَ مهما اعتلى،
يبقى بداخلِه الصغيرُ ويُغلبُ…
يبقى حنينًا لا يُروَّضُ جمرُهُ،
يبقى اشتياقًا… لا يُطالُ ويُطلبُ،
يبقى إلى حضنِ الأمومةِ عائدًا،
ولو الزمانُ على ضلوعِه أَغربُ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى