
شهد شهر يونيو من عام 2026 نقطة تحول جيوسياسية بارزة في الشرق الأوسط بتوقيع “مذكرة تفاهم إسلام آباد” بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب والعمليات العسكرية المباشرة، هذه المذكرة، المكونة من 14 بنداً رئيسياً، أطلقت مهلة 60 يوماً للدخول في مفاوضات تقنية وسياسية مكثفة بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي شامل يُعتمد بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي.
وخلف العبارات الدبلوماسية، تدور معركة قراءة وتفسير للمكتسبات والمخاطر يعاد فيها رسم موازين القوى من مضيق هرمز وباب المندب إلى شرق المتوسط.
أولاً: من المنتصر ومن المستفيد؟ (جدلية الصمود والمناورة الإستراتيجية)
تُجمع الدوائر الاستخباراتية والسياسية خارج الأطر البروتوكولية على أن إيران هي المستفيد الأكبر والمنتصر الإستراتيجي في هذه الجولة؛ ليس لأنها سحقت خصومها عسكرياً، بل لنجاحها في فرض معادلة “الصمود الذكي”. فقد حققت طهران جملة من المكاسب السياسية والاقتصادية:
تثبيت شرعية النظام
تجنبت إيران محاولات الإطاحة بالنظام أو تقديم تنازلات فورية تمس ترسانتها الصاروخية ونفوذها الإقليمي.
تجميد العقوبات كشرط مسبق للمفاوضات الشاملة
فرضت طهران الحفاظ على “الوضع الراهن” لبرنامجها النووي دون فرض أي عقوبات أمريكية جديدة.
تفكيك الحصار البحري
ألزمت واشنطن ببدء الرفع الفوري لحصارها البحري على أن يُرفع بالكامل خلال 30 يوماً، مع سحب القوات الأمريكية من محيط إيران خلال 30 يوماً من توقيع الاتفاق النهائي.
في المقابل:
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات حادة من الصقور والمعارضة داخل أمريكا؛ حيث صُنّف التفاهم بأنه “استسلام وتنازل مجاني لطهران” فرّطت فيه الإدارة بأوراق الضغط لتأمين تدفق النفط وفتح الممرات المائية.
أما بالنسبة للداخل الإيراني، فالاتفاق يُمثّل ضرورة اقتصادية ملحّة لإنقاذ البلاد من نمو سلبي حاد واحتجاجات شعبية خانقة.
ثانياً: الفوائد الاقتصادية والمالية لطهران ومصيدة الـ 300 مليار
تتضمن مذكرة التفاهم مكاسب مالية ضخمة لانتشال إيران من عزلتها الاقتصادية عبر قنوات عدة:
التزام واشنطن بإتاحة جميع الأصول والأموال الإيرانية المحتجزة بشكل كامل لتكون تحت التصرف الحر للبنك المركزي الإيراني.
إصدار وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات استثنائية تسمح لإيران بإعادة تصدير النفط الخام ومشتقاته بشكل قانوني، ورفع القيود عن خدمات الشحن، التأمين، والنقل، وتسهيل التعاملات البنكية الدولية المرتبطة بها.
عوائد مضيق هرمز:
منح إيران حق التنسيق مع سلطنة عمان لتحديد الإدارة المستقبلية والمشغلات البحرية في المضيق، مما يفتح الباب لفرض رسوم أو عوائد تجارية مستقبلية تحت بند “الخدمات البحرية” بعد ضمان المرور الآمن والمجاني للسفن وإزالة الألغام البحرية.
أما بخصوص بند الـ 300 مليار دولار المخصص لإعادة إعمار وتنمية إيران بالتعاون مع “شركاء إقليميين”، فإن التحليل الاقتصادي يستبعد نجاحه للأسباب التالية:
أعلن ترامب صراحة أن أمريكا لن تدفع “سنتًا واحداً”، وأن بلاده تعاني من ديون سيادية.
دول الخليج لن تمنح إيران شيكاً على بياض، واشترطت أن أي تدفق مالي لن يكون منحاً أو هبات مجانية، بل عبر استثمارات تجارية اختيارية مشروطة بتغيير سلوك إيران وتفكيك شبكة فصائلها المسلحة
غياب المانحين الآخرين:
فالصين تشتري النفط الرخيص ولا تقدم هبات مجانية، وروسيا مستهلكة مالياً بسبب حروبها المستمرة، والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية (البنك وصندوق النقد) يخضعون للنفوذ الأمريكي المشروط بإصلاحات هيكلية ترفضها طهران.
ومن ثم، فإن هذا الرقم سيبقى “حبر على ورق” أو مجرد “جزرة سياسية” لإغراء إيران بالتوقيع، بينما يقتصر الدفع الفعلي على أموال إيران المحتجزة ذاتها وعوائد بيع نفطها.
ثالثاً: معضلة الأذرع العسكرية و”طوق النار” والموقف الإسرائيلي
إن تضمين جبهة لبنان في التفاهمات يحمل تداعيات استراتيجية بالغة الخطورة؛ حيث ترى دول الجوار وإسرائيل أن عدم النص على تفكيك هذه الجماعات يكرس “شرعية الوضع الراهن”، ويمنح حلفاء إيران (حزب الله، الحوثيين، والحرس الثوري العراقي) غطاءً سياسياً للاستمرار كأذرع عسكرية تطوق المنطقة وتتحكم في الممرات المائية الحيوية مثل باب المندب، لتبقى الملاحة العالمية رهينة للتفاهمات الإيرانية-الأمريكية.
هذا التكريس أشعل مواقف الأطراف الأخرى على النحو التالي:
تشعر تل أبيب بغضب واستياء عارم لاستبعادها من المفاوضات وأعلنت رسمياً أنها غير ملزمة بالشق الخاص بلبنان في مذكرة التفاهم، ولن تنسحب من جنوب لبنان ما لم يتم نزع سلاح حزب الله.
اتفاق وقف النار “الهش” في لبنان
رغم إعلان الوسطاء عن اتفاق لوقف إطلاق النار يدخل حيز التنفيذ برعاية أمريكية – قطرية، إلا أن إسرائيل صعدت غاراتها بقوة لفرض وقائع ميدانية وتثبيت شروط أمنية تعجيزية تشمل:
امتلاك حق التدخل العسكري وقصف لبنان مستقبلاً في حال رصد إعادة تسليح لحزب الله،
انسحاب الحزب لشمال نهر الليطاني (تطبيق القرار 1701)،
تفكيك ترسانة الصواريخ الدقيقة والمسيرات،
نشر قوات الجيش اللبناني واليونيفيل بصلاحيات تفتيش واسعة ومداهمة دون إذن مسبق، وتشكيل لجنة مراقبة دولية برئاسة أمريكية وعضوية دول غربية.
مصير الجبهة اليمنية (الحوثيين):
تحول ملف اليمن إلى ورقة مساومة رئيسية؛ حيث تضغط واشنطن لربط التسهيلات المالية لإيران بتقديم طهران ضمانات مكتوبة تلزم الحوثيين بالوقف الكامل للهجمات في البحر الأحمر وخليج عدن. وتتوازى هذه الضغوط مع انقسام حوثي داخلي بين جناح سياسي يود استغلال الهدنة لتثبيت مكاسب داخلية (رواتب وموانئ) وجناح عسكري متمسك بالجهوزية الصاروخية، وسط وساطة عُمانية-قطرية لتحويل التصعيد البحري إلى سلام يمني دائم.
رابعاً: الموقف الخليجي المشترك (أموال مجمدة وشكوك أمنية)
حصلت إيران بالفعل على مبالغ مالية ضخمة من دول خليجية كجزء من ترتيبات التهدئة الأمنية والإفراج عن الأصول المجمدة:
الإمارات وافقت على تحرير أصول مجمدة بـ 10 مليارات دولار، تسلمت طهران منها دفعة أولى بـ 3 مليارات دولار كخطوة لبناء الثقة ووقف الضربات الجوية الإيرانية التي استهدفت البنية التحتية الخليجية أثناء الحرب.
قطر تعمل بالتنسيق مع واشنطن لتفعيل خطة تتيح لإيران الوصول إلى 6 مليارات دولار من أموال النفط المجمدة في الدوحة لاستخدامها في الأغراض الإنسانية (غذاء ودواء) كحافز مبكر لإنجاح الاتفاق
ومع ذلك، تعيش العواصم الخليجية حالة من خيبة الأمل والمخاوف الأمنية جراء استبعادها من صياغة الاتفاق الثنائي، وتولد لديها قناعة بتراجع موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية بعد أن تعرضت منشآتها النفطية لتهديد مباشر لأكثر من 100 يوم (شمل إغلاق مضيق هرمز في مارس 2026).
هذا الأمر دفع القادة الخليجيين لتبني سياسة الاعتماد على الذات، وفتح قنوات دبلوماسية مباشرة مع طهران لاحتواء المخاطر، مع الضغط لتضمين ملف المسيرات والصواريخ في الاتفاق النهائي لمهلة الـ 60 يوماً.
التوقعات:
تكمن الأزمة في أن “مذكرة تفاهم إسلام آباد” ركّلت القضايا الأكثر تعقيداً وجوهرية إلى الأمام دون وضع حلول ملموسة، مكتفية بصياغة إطار عام فضفاض يقبل تفسيرات متناقضة من الجانبين.
السيناريوهات المتوقعة:
أولاً: أسباب تدفع المفاوضات نحو الفشل الحتمي
العمليات العسكرية الإسرائيلية الأحادية (اللغز الأكبر):
تعتبر إسرائيل الطرف الخارجي الأكثر قدرة على إفشال المفاوضات. فقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بوضوح أن بلاده غير ملزمة بالتفاهمات الأمريكية-الإيرانية. وتصر طهران على أن وقف إطلاق النار في لبنان شرط أساسي لاستمرار المحادثات، وبالتالي فإن أي ضربة إسرائيلية كبرى موجهة لحزب الله أو العمق الإيراني ستدفع طهران للانسحاب فوراً من طاولة المفاوضات وتفجير التهدئة.
التفسيرات المتناقضة للمسودة (صراع المفاهيم):
تتعامل واشنطن مع المذكرة باعتبارها “إطاراً مشروطاً”؛ أي أن طهران لن تنال رفع العقوبات الشامل إلا بعد تفكيك أجزاء من برنامجها النووي وتقديم ضمانات إقليمية. في المقابل، تقرأ إيران الوثيقة باعتبارها “صك اعتراف بسيادتها وانتصاراً” يمنحها إعفاءات نفطية فورية وحق تسييل الأموال دون شروط مسبقة مجحفة. هذا التناقض قاد سريعاً إلى صدامات حادة داخل الغرف المغلقة في سويسرا.
معضلة المواد النووية المخصبة:
تطالب واشنطن بتفكيك البنية التحتية للتخصيب وشحن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج إيران تحت إشراف وكالة الطاقة الذرية. بينما تصر طهران (التي اغتيل قادتها مؤخراً وتتحرك بهاجس أمني حاد) على إبقاء المواد داخل أراضيها والاكتفاء بتخفيف نسبة التخصيب، معتبرة التخلي عن المخزون تجريداً لها من سلاح الردع الأخير.
الضغوط السياسية الداخلية في البلدين
يواجه دونالد ترامب ضغوطاً شرسة من صقور الحزب الجمهوري الذين وصفوا الاتفاق بـ “أكبر خطأ استراتيجي يمنح المتطرفين مليارات الدولارات”.
وفي إيران، يضغط “جناح جبهة الصمود” المتشدد على المفاوضين الإيرانيين لرفض أي تقديم لتنازلات أمنية، معتبرين أن أمريكا لا يمكن الوثوق بها.
ثانياً: إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا الفشل؟ (السيناريوهات المتوقعة)
في حال عجز الطرفان عن توقيع “الاتفاق الشامل” عند انتهاء مهلة الـ 60 يوماً، يتوقع الخبراء انحصار المشهد في ثلاثة مسارات بديلة:
السيناريو الأول: تمديد المهلة مع “ستاتيكو” نفطي بحري (المرجح بنسبة 50%):
نظراً لحاجة ترامب لإبقاء أسعار النفط مستقرة وتجنب اشتعال التضخم عالمياً، وحاجة إيران لإنعاش اقتصادها المنهار، قد يتفق الطرفان على تمديد المفاوضات لـ 60 يوماً إضافية بموجب البند الثالث من المذكرة. يستمر هذا السيناريو في السماح لإيران ببيع كميات محدودة من النفط مقابل استمرار فتح مضيق هرمز، مع بقاء الخلافات الجوهرية معلقة.
السيناريو الثاني: الانهيار الكامل والعودة لـ “حرب القنابل” (متوقع بنسبة 35%):
الرئيس الأمريكي أطلق تحذيراً شديد اللهجة قائلاً: “إذا لم يعجبني الأمر أو لم يلتزموا بالسلوك القويم، فسنعود فوراً لإسقاط القنابل فوق رؤوسهم”. إذا تيقنت واشنطن أن إيران تتبع استراتيجية المماطلة لكسب الوقت، أو إذا قامت الفصائل الموالية لها (كالحوثيين) بخرق كبير للملاحة البحرية، ستلغي واشنطن الإعفاءات النفطية فوراً، مما يعيد المنطقة إلى مربع الحرب المباشرة والحصار البحري المشدد.
السيناريو الثالث: “الاتفاق الأعرج” الجزئي (متوقع بنسبة 15%):
التوصل إلى اتفاق منقوص يركز فقط على الجوانب التقنية للملف النووي وفتح المعابر البحرية، مع استبعاد القضايا الإقليمية المعقدة (مثل نفوذ الحرس الثوري في العراق وسوريا، ومصير سلاح حزب الله واليمن). هذا السيناريو سيبقي جمر الصراع مشتعلاً تحت الرماد، ويمنح إسرائيل الضوء الأخضر لمواصلة حروبها المنفردة.
خلاصة القول: مهلة الـ 60 يوماً لا تصنع سلاماً مستداماً بل هي بمثابة “قاطع طريق كهربائي” (Circuit Breaker) أو هدنة مؤقتة فرضتها حاجة الطرفين لالتقاط الأنفاس. وبناءً على المعطيات الراهنة، فإن فرص صياغة معاهدة سلام شاملة ونهائية تنهي صراع العقود الثلاثة تبدو ضئيلة للغاية.