كتاب وشعراء

كثرة الوجوه، وقلة القلوب …..بقلم ماتيلدا عواد

ليس كل من حولنا قريبًا منا، وليس كل من نعرفهم يمكن أن نلجأ إليهم حين تضيق بنا الأيام.
قد يكون في هاتف الإنسان عشرات الأسماء، وقد تمتلئ صفحته بالأصدقاء والمعارف، وقد يحيط به الناس في العمل والبيت والمناسبات، لكنه حين يحدث معه شيء في يومه، أو يفرحه أمر صغير، أو يثقل صدره شعور لا يعرف كيف يحمله، يمسك هاتفه ثم يتوقف:
إلى من أكتب؟
من أستطيع أن أقول له ما أشعر به، دون أن أخشى أن يملّ، أو يسيء الفهم، أو يحمل كلامي إلى مكان آخر؟
هذه هي الوحدة التي لا يراها أحد.
أن يكون حولك كثيرون، ولا تجد بينهم شخصًا واحدًا تستطيع أن تقول له ببساطة: “حدث معي اليوم كذا”.
لا نريد دائمًا حلًا، ولا نصيحة، ولا محاضرة عن الصبر والقوة.
أحيانًا نريد فقط من يسمعنا.
من يجلس إلى جوار تعبنا دون أن يحاول إصلاحه.
من يقول: “أنا هنا”، دون أن نسأله.
من يربّت على كتفنا دون أن نطلب ذلك.
من يشعر بأن شيئًا فينا ليس بخير، فيقترب قليلًا، لا ليسأل أسئلة كثيرة، وإنما ليجعلنا نشعر أننا لسنا وحدنا.
أن تشعر أن هناك قلبًا تستطيع أن تضع فيه ما يثقل قلبك، ثم تعود إلى يومك مطمئنًا إلى أن ما قلته بقي حيث وضعته.
لكن حتى القرب لم يعد دائمًا آمنًا.
هناك من يقترب بلطف شديد، يسأل عنك، يهتم بتفاصيلك، ويمنحك شعورًا بأنه جاء ليكون قريبًا منك بصدق. ومع الوقت، تطمئن. تفتح له بابًا صغيرًا من حياتك، ثم بابًا أكبر، وتحكي شيئًا من أسرارك، وتشاركه ما لا تقوله للجميع.
ثم تكتشف، أحيانًا متأخرًا، أن نية القرب لم تكن كما ظننت.
ففي الحياة عكاريت؛ يعرفون كيف يقتربون، وكيف يكسبون الثقة، وكيف يجعلونك تطمئن إليهم، بينما تكون لهم نوايا أخرى لا تظهر إلا بعد أن يأخذوا المساحة التي أرادوها.
بعضهم يقترب ليعرف، لا ليحب.
وبعضهم يقترب ليجمع عنك ما يكفيه من الكلام، ثم يحمله إلى الآخرين.
وقد يتحول ما قيل في لحظة ثقة إلى حديث في مكان آخر، وقد يصبح السر مادة للفضول، أو وسيلة للإساءة، أو سلاحًا عند أول خلاف.
وهناك من يقترب بطريقة أخرى، يريد أن يشعر أنه امتلك مكانًا في حياتك. يحيطك بالاهتمام، ويبالغ في الحضور، حتى يطمئن إلى أنه أصبح مهمًا لديك، ثم حين يشعر أنه وصل إلى ما يريد، يتغير حضوره أو ينسحب، كأن شيئًا لم يكن.
وهكذا يتعلم الإنسان أن ليس كل اهتمام محبة، وليس كل قرب أمانًا، وليس كل من يسأل عنك يريد فعلًا أن يعرف كيف حالك.
ومع كثرة التجارب، يصبح الإنسان أكثر حذرًا.
لا لأنه لا يحتاج إلى الناس، بل لأنه يحتاج إليهم كثيرًا، ولذلك يخاف أن يضع حاجته في المكان الخطأ.
يريد صديقًا، لكنه لا يريد أن يصبح يومًا قصة في حديثه.
يريد أن يثق، لكنه لا يريد أن يدفع ثمن ثقته.
يريد أن يفتح قلبه، لكنه لا يريد أن يبحث بعد ذلك عن أجزائه بين ألسنة الآخرين.
لهذا نجد كثيرًا من الناس يبدون أقوياء وهم في الحقيقة متعبون.
يضحكون، يتحدثون، يخرجون، يلتقون بالآخرين، ويبدون وكأن كل شيء على ما يرام، بينما داخل كل واحد منهم مساحة لا يصل إليها أحد.
مساحة تقول:
“ليت هناك شخصًا واحدًا فقط أستطيع أن أكون معه على طبيعتي”.
لا أشرح نفسي.
لا أحسب كلماتي.
لا أخاف أن يُساء فهمي.
لا أخاف أن يتحول ضعفي إلى نقطة ضدي.
ولا أخاف أن يصبح ما قلته اليوم حكاية تُروى غدًا.
ربما لهذا يشعر بعض الناس، رغم كثرة من حولهم، بشيء يشبه اليُتم.
ليس يُتمًا من غاب عنهم، بل يُتمًا من نوع آخر:
أن يكون للإنسان بيت، ولا يجد قلبًا يأوي إليه.
أن يكون لديه الكثير من المعارف، ولا يجد شخصًا واحدًا يشعر معه أنه في مأمن.
وما أصعب أن يحتاج الإنسان إلى كلمة، فلا يجد من يقولها له.
أن يريد أن يحكي، فلا يجد من يأمن إليه.
أن يفرح بشيء صغير، ثم يحتار مع من يشاركه فرحته.
لهذا ليست الكثرة دائمًا نجاة من الوحدة.
أحيانًا تكون الوحدة أشد حين يكون حولنا كثيرون، لأننا نكتشف وسط الزحام أننا لا نملك ذلك الشخص الذي نستطيع أن نصل إليه دون تردد.
نحن لا نحتاج عشرات الأشخاص.
نحتاج شخصًا لا يجعلنا نندم لأننا اقتربنا.
شخصًا إذا عرف سرًا حفظه، وإذا عرف ضعفًا ستره، وإذا اختلف معنا لم يحوّل قربه السابق إلى سلاح.
شخصًا لا يأتي كطُعم، ولا يقترب ليملك، ولا يصغي ليجمع الحكايات.
شخصًا يكون حضوره بسيطًا وآمنًا.
فبعض الناس يملؤون حياتنا ضجيجًا، وبعضهم يملؤون وقتنا، وقليلون جدًا يجعلوننا نشعر أن لنا مكانًا في هذا العالم.
وربما هذا هو المأوى الذي يبحث عنه كثيرون دون أن يعرفوا كيف يصفونه:
أن تجد إنسانًا تستطيع أن تقول له كل ما في قلبك، ثم تصمت…
فيبقى إلى جوارك.
لا يسألك لماذا، ولا يطلب منك أن تكون أقوى مما أنت عليه.
فقط يبقى.
لأن أجمل ما يمكن أن يمنحه إنسان لإنسان آخر أحيانًا، ليس حلًا ولا نصيحة…
بل أن يشعره أنه ليس وحده

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى