رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :”قراءة في آليات الممارسات الإسرائيلية ومآلاتها المستقبلية”

مقدمة: جذور العنف ومظاهر الانتهاك
تُشكل ممارسات دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني امتداداً لبنية أيديولوجية وسياسية أُسست على عقيدة الاستعمار الاستيطاني، بهدف تحقيق تفوق ديمغرافي وإحلالي عبر مصادرة الأراضي والتهجير القسري. وتتجسد هذه السياسات ميدانياً في فرض العقاب الجماعي، وسياسات الحصار الخانق، والتوسع الاستيطاني، والاعتقال الإداري، واستهداف البنية التحتية المدنية والمنشآت الطبية.
المشهد القانوني الدولي وحصاد الانتهاكات
على مدار عقود، ضربت إسرائيل بعرض الحائط منظومة القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة، ويبرز في سجل هذه الانتهاكات:
1. المعاهدات الدولية:
انتهاك اتفاقية جنيف الرابعة (1949)، وتحديداً المادة (49) التي تحظر نقل السكان والتهجير القسري، إلى جانب خرق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية (1948)، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عبر استخدام التجويع كسلاح حرب.
2. قرارات مجلس الأمن الملزمة:
* القرار 242 (1967) والقول بوجوب الانسحاب من الأراضي المحتلة.
* القرار 465 (1980) والقرار 2334 (2016) اللذان يؤكدان عدم شرعية المستوطنات ويطالبان بتفكيكها.
* القرار 478 (1980) الذي أبطل قرار ضم القدس الشرقية واعتبارها عاصمة موحدة.
3. أحكام المحاكم الدولية:
القرار 194 (1948) الصادر عن الجمعية العامة لحق العودة، والرأي الاستشاري لـ محكمة العدل الدولية في 2004 القاضي بعدم شرعية الجدار العازل، وصولاً إلى رأيها الاستشاري الصادم للاحتلال في يوليو 2024 ببطلان استمرار الاحتلال، وتتويجاً بصدور مذكرات الاعتقال الدولية من المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب.
التوظيف السياسي والانتقائي للدين
رغم أن النواة التأسيسية للحركة الصهيونية ودولة إسرائيل كانت علمانية ولادينية في جوهرها بقيادة شخصيات مثل ثيودور هرتزل وديفيد بن غوريون، إلا أن النظام السياسي الإسرائيلي عمل على استخدام الدين كأداة وظيفية وانتقائية للحشد وشرعنة الجرائم عبر:
* توظيف مفهوم “أرض الميعاد” و”شعب الله المختار” لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم.
* استدعاء نصوص الحروب التوراتية كـ “إبادة العماليق” لتبرير التدمير الشامل.
* الفتاوى المتطرفة الصادرة عن حاخامات اليمين (مثل نصوص كتاب “توراة الملك”) التي تبيح دماء المدنيين.
وفي المقابل،
يقف تيار ديني يهودي أرثوذكسي صارم متمثلاً في جماعات مثل “ناطوري كارتا” (حراس المدينة) وحركة “ساتمار” الحسيدية ليرفض الصهيونية جملة وتفصيلاً، مستندين إلى التلمود البابلي وعقيدة “العهود الثلاثة” التي تحظر الصعود الجماعي لأرض فلسطين بقوة السلاح أو التمرد على الأمم، معتبرين إسرائيل كياناً “كافراً” يختطف الهوية اليهودية.
شبكة الدعم الخارجي وآليات الهيمنة
يرتكز بقاء إسرائيل على تحالف استراتيجي غربي تقوده الولايات المتحدة، وله شقان:
1. البُعد التاريخي التخلصي: رغبة أوروبا التاريخية في التخلص من “المسألة اليهودية” وتصديرها خارج القارة، وهو ما تجلى في قانون الأجانب البريطاني (1905) الذي قاده آرثر بلفور لمنع تدفق اليهود لبريطانيا قبل إصداره وعد بلفور (1917) كآلية لترحيلهم، وهو ما عارضه السياسيون اليهود أنفسهم آنذاك مثل إدوين مونتاغو الذي وصف السياسة البريطانية بمعاداة السامية.
2. التحكم بالسياسة الأمريكية الداخلية: تمارس منظمات اللوبي الإسرائيلي وعلى رأسها إيباك (AIPAC) ولجنتها التمويلية (United Democracy Project) نفوذاً طاغياً بالمال السياسي لدعم الموالين وإسقاط المعارضين، بالتوازي مع اختراق مراكز الفكر (مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى WINEP)، والتحالف مع الكتلة التصويتية الضخمة لـ “الصهيونية المسيحية” المتمثلة في منظمة “مسيحيون موحدون من أجل إسرائيل” (CUFI).
حتمية التآكل وعوامل الاندحار الذاتي والزوال
تحمل إسرائيل في جيناتها البنيوية والتأسيسية عوامل ضعف تجعل من فرضية اندحارها وزوالها حتمية تاريخية واستراتيجية، وتدور هذه العوامل حول خمس ركائز أساسية:
1. التمزق الهوياتي وحرب “القبائل” الداخلية:
يعيش المجتمع الإسرائيلي صراعاً وجودياً داخلياً بين تيارين لا يمكنهما التعايش؛ التيار العَلماني الليبرالي الذي يمسك بمفاصل الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن، وتيار الصهيونية الدينية والحريديم المتطرف الذي ينمو ديمغرافياً بشكل مرعب ويسعى لتحويل الدولة إلى ثيوقراطية دينية متزمتة. هذا الشرخ العمودي يهدد بانهيار العقد الاجتماعي والوحدة الداخلية، وهو ما يفسر رعب القادة الإسرائيليين مما يسمى “عقدة الثمانين عاماً” (حيث لم تعمر أي دولة يهودية في التاريخ أكثر من ثمانين عاماً دون أن تنتهي بحرب أهلية وانقسام).
2. المعضلة الديمغرافية واستحالة “الأبارتهايد”:
جغرافياً، في المساحة الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط (فلسطين التاريخية)، يتفوق العدد الإجمالي للفلسطينيين على عدد اليهود. وللحفاظ على صبغتها اليهودية، تجد إسرائيل نفسها مجبرة على تعميق نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد). وبما أن التاريخ يثبت عدم قابلية أنظمة الأبارتهايد للاستمرار (كنظام جنوب إفريقيا السابق)، فإن إسرائيل تتحول تدريجياً إلى دولة منبوذة أخلاقياً ودولياً ومحكومة بالانهيار البنيوي.
3. تآكل عقيدة الردع والارتهان للخارج:
قامت العقيدة العسكرية الإسرائيلية تاريخياً على الحروب الخاطفة والسريعة خارج حدودها. واليوم، تآكلت هذه القوة أمام حروب الاستنزاف الطويلة والممتدة، والتي كشفت عجز الجيش بنيوياً ونفسياً عن حسم المعارك. كما تبين أن الكيان بات مرتهناً بشكل كلي ووجودي للجسر الجوي العسكري والاقتصادي الأمريكي، وأي تراجع للهيمنة الغربية أو تحول في الميزان الدولي سيترك الكيان عاجزاً عن حماية نفسه.
4. نزيف العقول والهجرة العكسية:
تعتمد القوة الاقتصادية الإسرائيلية (“دولة الشركات الناشئة”) بالكامل على النخبة العَلمانية المتعلمة. ومع تصاعد الفاشية الدينية والحروب المستمرة وغياب الأمن المستدام، تشهد إسرائيل موجات ضخمة من الهجرة العكسية غير المسبوقة للأطباء والمهندسين والمستثمرين نحو أوروبا وأمريكا، مما يفرغ الدولة من عمودها الفقري الاقتصادي ويسرع من انهيارها الهيكلي.
5. التحول الجيلي العالمي وسقوط الحصانة:
يتعرض الغطاء الدولي والحصانة الدبلوماسية لإسرائيل لتآكل سريع، مدفوعاً بـ تحول جذري في وعي جيل الشباب والأجيال الصاعدة في الجامعات والمجتمعات الغربية (خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا) الذين باتوا يرون في إسرائيل مشروعاً استعمارياً قذراً يرتكب التطهير العرقي. ومع صعود هذه الأجيال الشابة مستقبلاً إلى مراكز صنع القرار، ستفقد إسرائيل درعها الدبلوماسي (الفيتو) الذي أمن بقاءها لعقود.
الخاتمة
تثبت سنن التاريخ وقوانين الجغرافيا أن الكيانات القائمة على الاستعمار الاستيطاني، والتمييز العنصري، والاعتماد المطلق على قوة السلاح والغطاء الخارجي، هي كيانات تحمل بذور فنائها في ذاتها.
إن العجز عن كسر إرادة الشعوب الأصلية، والتآكل الذاتي المتسارع من الداخل، يجعلان من “انتهائها وزوالها” مسألة وقت تخضع لصيرورة التاريخ وحتمية العدالة الإنسانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى