كتاب وشعراء

نشيد الذاكرة المحترقة… بقلم حيدر البرهان

مرثية مكتبة سوق الشيوخ

على ضفافِ الفُرات،
حيثُ يَسبحُ الوَجْدُ
في غيماتِ الزَّمنِ الضَّائِع،
تَقِفُ المكتبةُ كعروسٍ ثَكْلَى.
تَرْفُلُ بأردِيَةِ الرَّماد،
وتَسْرُدُ للرِّيحِ حِكايَةَ كُتُبٍ
صارَتْ شُهَداءَ على مَذْبَحِ النِّسيان.

يا حَرَمَ الحِكْمَةِ!
يا خَيْمَةَ الأَسْرار!
مَنْ خَطَفَ الأضواءَ مِنْ عَيْنَيْكِ؟
ومَنْ سَرَقَ الألحانَ مِنْ قِيثارَةِ المَعْرِفَةِ فِيكِ؟ كُنْتِ قَبْساً يُضِيءُ دُرُوبَ العاشِقينَ،
فَصِرْتِ جُرْحاً يَنْزِفُ على جَبِينِ المَدِينَة.

الفُراتُ، ذلكَ الحَكيمُ الأزَلِيُّ،
يُهِمْسُ للقَصَب: “هَهُنا.. تَحْتَ هَذِهِ الأَنْقاض، دَفَنْتُ أَحْلامَ الأطْفال.
هُنا.. بَيْنَ الرَّماد،
نامَتْ كَلِماتُ الشُّعَراءِ والفَلاسِفَة.”

أَوْراقُ الكُتُبِ المُحْتَرِقَةُ تَحَوَّلَتْ
إِلى فَراشاتِ سَوادٍ،
تَحْلُقُ في فَضاءِ المَدِينَةِ..
تَحْمِلُ أَنِينَ الحُرُوف.
وكَلِماتُ القَوامِيسِ صارَتْ شَظايا،
تَتَناثَرُ في أَزِقَّةِ الذَّاكِرَة.

يا لَيْلَةَ الاحتِراق! ما أَقْساكِ!
كَيْفَ انْثَلَمَتِ الأَقْفالُ،
وتَهاوَتِ الجُدْرانُ؟
كَيْفَ اسْتَسْلَمَتِ الكُتُبُ للنَّارِ،
وهيَ التي قَهَرَتِ القُرُون؟

لكِنْ.. في أَعْماقِ الرَّماد،
لا يَزالُ الأَمَلُ يَتَنَفَّس.
نَبْضٌ خَفِيٌّ تَحْتَ الأَنْقاضِ
يَنْتَظِرُ يَداً تُعِيدُ الحَياة.
زُرْقَةُ النَّهْرِ
تَحْمِلُ في أَعْماقِها وَعْداً بِالبَعْث.

سَنَظَلُّ نَحْفِرُ في الذَّاكِرَة..
نَبْحَثُ عَنْ جَمَراتِ الكَلِمات،
وَنَنْحَتُّ مِنْ دَمْعِ السَّحابِ مَكْتَبَةً جَديدَةً.
سَتَعُود.. سَتَعُودُ يَوْماً،
تَحْمِلُ في رَفوفِها قَوْسَ قُزَحَ الأَجْيال.

الفُراتُ يُحَدِّثُنا..
والنَّخِيلُ يُصَفِّقُ بأَوْراقِهِ الخَضْراء.
والشَّمْسُ تُشْرِقُ
مِنْ بَيْنَ السُّطُورِ المُحْتَرِقَةِ لِتَقُول:
لا تَمُوتُ الحِكايَة..
ما دامَ في الدُّنْيا قارِئٌ يَحْلُم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى