
انطلقت رسومات الفنان العراقي أحمد الشهابي من حبِّه للأرض وللإنسانية، وبحثه الدائم عن المحبَّة والخير، وإنجازه لوحات تراثيَّة مُزيَّنة بالعمارة في بلاد وادي الرافدين بأسلوب جديد.. في حين جمع بين العناصر والمفردات الواقعية وبعض الرموز والعلاقات التجريدية ذات الدلالات الواضحة للمشاهد، وكل لون لديه له معنى.. وفي الوقت نفسه عمد إلى تحوير الأشكال الواقعية وتجريدها بعيداً عن الواقع، كما مزج بين الخطوط والرسومات واتجه في أعماله نحو المدارس: الواقعية.. التعبيرية.. الرمزية.. التجريدية، إذ قام باختزال المساحات وتحويرها.
في حين أعطى الخطوط العربية أشكالاً متشابكة ومتداخلة بصيغ شرقية وأجواء من الجمال الممزوج بالرِّقَّة، مستخدماً الألوان الزيتية وخامات كثيرة من العجينة وورق الألمنيوم كي يعطي للسطح تأثيرات بصرية عديدة، دارساً الهارموني العام للوحة.
وعن تجربته أجرينا معه الحوار الآتي:
*بدايةً، ماذا تخبرنا عن مرحلة العشق الأولى للفن؟
**عشقت الفن منذ الصغر لأنَّني ولدتُ في منزل مليئ بالفن، فوالدي -رحمه الله- كان خطاطاً ورساماً وشاعراً علَّمني فنون الخط العربي الأصيل والرسم.. فكم كنت أندهش من أدائه.. أراقبه بشغف وانبهار عندما كان يُخطِّط ويرسم أعمالاً فنية جميلة، وبجانب دراستي كنت أواصل البحث عن المصادر الفنية بأشكالها المختلفة.
*هل خدمتك المواد المستخدمة في رسم الموضوعات؟؟
**في أغلب لوحاتي أستخدم الألوان الزيتية والإكريليك. وأحياناً أستعمل بعض المعاجين الخاصَّة بالرسم لإبراز بعض الأشكال وبعض الحروف، وأحياناً أخرى أرسم اللوحة بالألوان الزيتية والإكريليك معاً على القماشه (الكانفاس).
أما عندما أرسم على الكارتون فأستخدم ألوان الإكريليك لسرعة جفافها.
*للألوان عدة دلالات في لوحاتك.. حبذا لو تحدِّثنا عنها؟؟
**الألوان عشقي وغذائي اليومي، وهي من المواد الأساسية والمهمة في رسم اللوحة، فعندما أستخدم اللون الازرق أشعر بالأمل المستديم والتفاؤل والعطاء النقي.
*من أين تستلهم أفكارك؟
**أستلهم أفكار لوحاتي التعبيرية من الحدث الآني، فالعالم يمرُّ بأحداث كثيرة لا سيَّما في بلداننا.
على سبيل المثال: أستلهم فكرة مأساوية ألا وهي عملية سرقة تأريخ العراق من شواهدها الآثارية الممنهجة، وكيف دُمِّر قسم كبير منها في عام 2003,
ولوحات أخرى رسمتها لأحداث أكثر مأساوية في تأريخ البشرية أحداث غزة والأقصى! كذلك استلهمت من أبيات شعرية لشعراء مهمين أفكار عدة.. منها سياسية، ومنها غزلية.
*كيف ترى بداية الفن في العراق ومن هم الرواد ؟
** كانت بدايات الفن العراقي على مستوى الإنتاج والتعامل متواضعة جداً، وكان الفن التشكيلي هواية، لأنَّ همَّ الفنان الذوبان في الطبيعه ومحاكاتها، إذ لم يمتلك التشكيليون العراقيون الرواد أبعاداً رؤيويَّة؛ بل كان الفن تسجيلياً يكتفي بتلوين حدود المنطق، ويتجسَّد ذلك في أعمال “الرائد عبد القادر الرسام، محمد سليم، صالح زكي، ودعاصم حافظ”، وفيما بعد التحق بهم الرعيل الثاني من الروَّاد مثل: “عطا صبري، حاتم رشاد، جميل حمودي، أكرم شكري، فائق حسن، جواد سليم”، وكان جلّ همهم البحث عن هوية.
*كيف كانت علاقة الرسام الرائد بواقعه؟
** اتسعت علاقة الرسام العراقي بواقعه وغدت أكثر تعبيراً، فعلى الصعيد الأول كانت هنالك معالجات جمَّة لموضوع المدنيَّة والحياة فيها، حيث رسم الروَّاد “الدروبي وشاكر حسن وجواد سليم وجميل حمودي وغيرهمً ممن أعطوا أجواء واقعية مستمدَّة من طبيعة المدنيَّة.
وعلى الصعيد الثاني تميَّزت أعمالهم أولاًّ بمرحلة البحث عن الذات ١٩٢٠ _ ١٩٣٠.
ثانياً مرحلة البحث عن الهوية ١٩٣٠ _ ١٩٤٠، ثم مرحلة البحث عن اليقين وحركة التجديد ١٩٤٠ _ ١٩٥٠.
رابعاً مرحلة التواصل مع القضية ١٩٥٠ _ ١٩٧٤.
كانت التجارب الأولى لجيل عبد القادر الرسام تقليدية لكنها شكَّلت قاعدة واضحة للتطور في المفاهيم الجديدة، بل يمكن القول: إن تلك التجارب التي تأثَّرت بالفنون العالمية قد مهَّدت الأسباب للتعرُّف على الإنجازات الأكثر تقدُّماً، لذا أرسلت الدولة منذ العقد الثالث وبعده مجموعة من الطلاب لدراسة الفن التشكيلي وبعودتهم شهدت الحركة الفنية تغيُّراً ملحوظاً.
*شغلت المرأة حيِّزاً مهمَّاً في أعمالك.. إلامَ ترمز؟
**المرأة في أعمالي مصدر الإلهام اللا متناهي ومنبع إبداع لا ينضب لذا أداعبها بالريشة والألوان، فهي المرادف الحقيقي لجمال عشتار وشهرزاد، وهي على مرِّ العصور ملهمة الفنان الحقيقية في مجالات شتَّى.. إنها نصف المجتمع وعلاقتي بها كعلاقتي بالوطن.
كما أن عشقي دائم للمرأة فهي تملك حيِّزاً كبيراً في داخلي، ولها تأثير عميق كونها “أمي.. أختي.. حبيبتي.. زوجتي.. صديقتي.. إلخ” أُعبِّر عن قوتها وكرامتها ومأساتها وفكرها وعنفوانها وجمالها، وهي بأنوثتها حرَّة تحلم وترقص وتغنِّي بشموخ وكبرياء.. كذلك المرأة في الإسلام ذات مكانة عالية قدَّسها الله تعالى أيَّما تقديس، وجعل مكانتها كشريك متكامل للرجل في الدنيا.
*لماذا استخدمت الخط العربي الذي أخذ أشكالاً لا حصر لها في لوحاتك؟؟؟
** للخط العربي جمال وجاذبية خاصة منذ نشوئه فهو يستوقف الناظر ويثير الدهشة.. وكل ما قدّم يدل على براعة خطاطينا، فعندما نرسم الحرف نراه ينطق بالكثير.. كما تأتي الكلمات مفعمة بكل ما هو جميل.. أصيل، ومشع ببهائه ورونقه ولو تأمَّلنا بين الرسائل التي كتبت قديماً على الورق للمسنا إبداعها في الخطوط والتكوينات، فقد استخدم الفنانون التشكيليون الحرف العربي بكلِّ أشكاله داخل لوحاتهم من خلال التداخل بين النصوص والتخطيطات ضمن تشكيلات زخرفيَّة تضفي على اللوحة مضموناً أدبياً وجمالياً.. ومن أشهر الفنانين المعاصرين العراقيين الذين استخدموا الحرف في التشكيل: الفنان الرائد “شاكر حسن وآل سعيد – رحمهم الله- وضياء العزاوي ورافع الناصري وجميل حمودي والفنان اللبناني وجيه نحله والفنانة الجزائرية المبدعة ليلى أمدح”.
كذلك تأثَّر فنانون غربيُّون بالخط العربي مُتَّخذين منه أشكالاً مختلفة.
*ما علاقة المثقف بمجتمعه بشكل خاص؟
**أصبحت علاقة المثقف بمجتمعه شبه متنافرة نظراً للتحولات الاجتماعية المتسارعة، وأصبحت هذه الحلقة مفقودة من الوجهة الفنية، وغائبة في معظم البلدان العربية.
بطاقة تعريف بالفنان
-الفنان التشكيلي العراقي أحمد الشهابي من مواليد بغداد الأعظمية
-حصل على دبلوم الفنون التشكيلية في عام ١٩٧٣ من مدرسة برلين.
-حصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة – بغداد القسم المسائي.
-عضو الجمعية العراقية للفنون التشكيلية.
-عضو نقابة الفنانين العراقيين.
-عضو الرابطة الدولية للفنون.
-عضو جمعية الخطاطين العراقيين.
-عضو نقابة الصحفيين العراقيين.
-عضو نقابة الصحفيين العرب.
-حائز على العديد من الجوائز والشهادات والأوسمة خلال مسيرته الفنية.
-له مشاركات محلية ودولية للفنون التشكيلية.
-له مقتنيات كثيرة محلياً وعالمياً.
الصحفية: نداء الدروبي