
نشيد بروميثيوس الأخير
أكتبُ…
كأن الحروف
أنقاض مدنٍ سقطت في داخلي …
كأنني أنقّب بين الرماد
عن جمرةٍ لم تخن نفسها .
بقلبٍ عارٍ من الخوف ،
أمشي في الغابة العمياء للحقيقة
لا خريطة لي
إلا نبضي حين يرتجفُ من الكذب.
في زمن الأقنعة ،
أصير صفعةً تمشي على قدمين
و في حضرة التهليل الأجوف
أنطقُ لا باسم أحد
و لكن باسم من سقطوا بلا كاميرا…
باسم من انطفأوا و لم يذكرهم بيان.
أكتبُ…
لا لأقنع أحداً
بل لأذكّرَ نفسي أنني كنت يوماً إنساناً
يحمل قلبه في كفّه … لا في جيبه.
أربّتُ بالكلمات على جراحٍ لم أرها،
لكنني حلمت بها …
سمعتها تبكي خلف أبواب الأمم…
و كنتُ وحدي…. أعرف أنها جراحنا .
أنا لا أعرف من يسمع ،
لكنني أعرف اللغة حين تصدق
و أعرف الأرض حين تنزف من بين الأصابع
حين نكتب للوطن لا عنه.
سلامٌ على القلب،
الذي ظلّ نبياً في سوق الهتاف.
سلامٌ على من تكلموا حين صمت الشعر
و غنّوا حين نبحَ الحرس.
الوطن ليس خارطة،
الوطن جملة ناقصة في فم منفي…
أكملها كلما كتبت
و أعود بها طفلاً
إلى بيتٍ لا عنوان له إلا
“هنا كنّا نحب .”
أكتبُ…
كأنني بروميثيوس مسجونٌ في جبال اللغة…
يسرق نار الوعي
و يخبّئها في جيوب القصائد…
لا لينقذ الآلهة
و لكن ليحمي الإنسان من العبادة الزائفة.
أكتب…
كأنني أورفيوس
أعزف ظهيرةً للذين ضلوا طريقهم
من الحياة إلى الحياة
و لا يرافقني إلا ظلّ حبيبتي
و صدى لا يعود.
أكتبُ…
لأن زمني لا يصغي
و لأن الصمت بات تعويذةً باردة
يحملها السحرة في مواكب الحكم.
أنا الذي صعدتُ مع إنانا إلى أرض الخراب
و رأيتُ كيف تنزع الثياب طبقةً طبقة…
حتى تصل إلى ذاتها العارية
و تصرخ: “أنا الوطن، فاحتفظوا بي بقلوبكم لا بجدرانكم .”
في زمن الأقنعة…
كلمتي سهمٌ من قوس عشتار
يضرب صدر التهليل
و يوقظ تمثال الحقيقة من نومه المرصّع بالخوف .
أكتب…
لا لأنني أعلم و لكن لأنني أبحث
و لأنني حين أضع نقطة في آخر السطر
تبدأ السماء في إعادة ترتيب نجومها.
أنا لا أنتمي للآلهة و لا لأبناء الطاعة…
أنا سليلُ الطين …
ابنُ من تمردوا على قصة الخلق
و رسموا نهايتهم بأناملهم.
سلامٌ على الذين يكتبون لا لينجوا
بل ليتحولوا إلى ذاكرةٍ في جسد الأرض
حيث يُروى للعابرين
أن أحدهم مرّ من هنا…
وترك ناراً لا تطفأ.
لكن حين أنتهي من الكتابة…
أطفئ الضوء
و أجلسُ وحدي قرب النافذة…
أُصغي لصوت المدينة و هي تتنفس
تحت المطر …
لا وطن فيها و لا أسطورة
فقط بشرٌ يركضون ، يحبّون
و يحاولون أن ينجوا من الغد بكلمة طيبة
أو فنجان قهوة
أو رسالة لم تُرسل بعد.
و أنا ؟
أضع القصيدة جانباً
كمن يطوي قميص راحل يحبه
و أهمس:
غداً سأكتب أيضاً…
ربما يسمعني أحد .
زكريا شيخ أحمد