كتاب وشعراء

دراسة نقدية وتحليلية شاملة لقصيدة “حكومةُ الفئرانِ” للشاعـر عباس علي.. بقلم الناقد الأدبي واللغوي: ناصر أبوزيد

حكومةُ الفئرانِ
بقلم الشاعر العراقي:
عباس علي

يَا بِلَاداً أَيْنَعَتْ وَرْدَ نَهْبِي
وَأُذِيقَتْ صَمْتَهَا دُونَ حَرْبِ

كَيْفَ يُغْرِي مَوْطِنِي كُلَّ طَيْرٍ
وَالْأَفَاعِي سَمَّمَتْ كُلَّ عُشْبِ

قَلَّدُوا الفِئْرَانَ تِيجَانَ أُسْدٍ
فَتَوَارَى التَّاجُ فِي جُحْرِ تُرْبِ

عَاقَبُوا مَنْ شَارَكَ الْبَعْثَ دَاراً
حَسِبُوا الأَوْطَانَ مِيرَاثَ غَصْبِ

كَفَّنُونِي ظِلَّ جَلَّادِ أَمْسِي
وَيَسُلُّونَ مِنَ الْجِسْمِ لُبِّي

يَأْكُلُونَ الأَرْضَ لَحْماً وَشَحْماً
زَاعِمِينَ اللَّطْمَ مِنْ فَضْلِ حِزْبِ

أَسَّسُوا الصَّرْحَ عَلَى عَظْمِ جِسْمِي
جَبَلُوا الإِسْمَنْتَ مِنْ قَطْرِ نَحْبِي

وَالعِرَاقِيُّونَ فِي كُوخِ حُزْنٍ
يَحْضُنُونَ الرَّمْلَ فِي قَعْرِ جُبِّ

كُلَّمَا نَادَيْتُ يَا أَرْضُ قَالَتْ:
خَيَّطُوا ثَغْرَ الصَّبَا خَيْطَ جَدْبِ

يَزْرَعُونَ الْمِلْحَ فِي جُرْحِ عَذْبِي
وَالرَّوَى يَنْسَابُ فِي عَصْرِ ذِئْبِ

يَحْلِبُونَ الْغَيْثَ مِنْ رِيقِ سُحْبِي
قَائِلِينَ الْقَحْطُ مِنْ حُكْمِ رَبِّي!

صَلَبُوا الشَّمْسَ عَلَى صَدْرِ شَعْبِي
وَاسْتَبَاحُوا خِلْسَةً نَبْضَ قَلْبِي

شَنَقُوا الْأَطْيَافَ فِي جِذْعِ أُفْقٍ
وَتَهَادَوْا مُهْجَتِي قَبْلَ صَلْبِي

تَدْفَأُ الْأَيْدِي عَلَى نَارِ حَرْقِي
صَوَّرُوا أَنَّ اللَّظَى نُورُ دَرْبِي

خَبَّأُوا الْمِلْيَارَ فِي بَطْنِ حُوتٍ
وَاسْتَقَرَّ الْجُوعُ فِي جَوْفِ صَحْبِ

يَسْرِقُونَ الْكُحْلَ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ
وَيَصُبُّونَ الدُّجَى مِلْءَ هُدْبِي

شَاخَ فِعْلُ السَّلْبِ رَفْعًا بِجَزْمٍ
وَابْتُلِينَا نَحْنُ فِي فِعْلِ نَصْبِ

يَغْسِلُونَ السُّحْتَ بِالخُمْسِ جَنْبِي
يُكْمِلُونَ الذِّكْرَ فِي حَالِ جُنْبِ

عَافَهُمْ بَازُ الْعُلَا مِنْ خَنَاهُمْ
وَاسْتَحَى مِنْ غَدْرِهِمْ نُبْلُ كَلْبِ

يَخْلَعُونَ الدِّينَ فِي قَبْوِ خَمْرٍ
يَعْصِرُونَ الدَّمَ فِي كَأْسِ شُرْبِ

يَا صَدِيقَ الْقَهْرِ كَمْ مِنْ رَفِيقٍ
يَجْرَعُ الرَّمْضَاءَ، يَقْتَادُ كَرْبِي

تَنْطَوِي الأَلْوَانُ، بِيضٌ وَسُودٌ
تَهْطُلُ الجَمْرَاتُ، تَجْتَاحُ نَدْبِي

لَيْسَ ذَنْبِي أَنَّنِي عِشْتُ حُرًّا
إِنَّمَا عِشْقُ الثَّرَى كَانَ ذَنْبِي

جَرَّدُوا الْأَذْهَانَ مِنْ حُلْمِ غَرْبِ
وَاشْمَأَزَّ الْعُجْمُ مِنْ لِصِّ عُرْبِ!

ـ دراسة نقدية وتحليلية شاملة لقصيدة (حكومةُ الفئرانِ) للشاعـر والأديب والناقد: عباس علي.. بقلم الناقد الأدبي واللغوي الدكتور / الأزهري / المصري / ناصر أبوزيد:

ــ تعدّ قصيدة “حكومةُ الفئرانِ” للشاعر والأديب العراقي القدير: عباس علي وثيقة شعرية إنسانية، وصرخة واعية في وجه القهر والفساد، وصياغة فنية بالغة الإتقان والجمال لمأساة العراق المعاصر.
ــ وفيما يلي قراءة نقدية ، وبنيوية، ودلالية، وجمالية مفصلة لهذه الرائعة الشعرية المتسقة مع المنهج النقدي الحديث:
أولاً: عتبة النص (العنوان، البنية، الدلالة، المناسبة)
1. اختيار عنوان القراءة النقدية : نختار لهذه القراءة النقدية عنوانًا يعكس الجوهر الفلسفي والاجتماعي للنص:
“سيمياء القهر واستلاب الوطن: قراءة بنيوية دلالية في (حكومة الفئران) للشاعر / عباس علي”
2. عتبة النص بنيويًا ودلاليًا: ــ
ــ بنيويًا: يتكون العنوان من تركيب إضافي (حكومةُ الفئرانِ)؛ مضاف (حكومة) ومضاف إليه (الفئران). هذا التركيب يربط بين نقيضين؛ فالـ “حكومة” ترمز في الوعي الجمعي إلى الهيبة والسيادة والتنظيم، بينما “الفئران” ترمز بيولوجيًا واجتماعيًا إلى القذارة، السلب، التخفي في الجحور، والجبن.
ــ دلاليًا: يُحدث هذا التنافر والتركيب الإضافي صدمة دلالية واعية (البرادجما الساخرة). يقصد لها النموذج الفكري أو الإطار المعرفي الذي يتخذ من السخرية أداة أساسية لتفكيك الواقع، ونقد الأنساق الثقافية ( أو المنظومة الخلفية )، والاحتجاج على المفاهيم السائدة”.
ـ يعلن الشاعر من العتبة الأولى سقوط هيبة السلطة وتحولها إلى كائن مسخ “فأر” يقود مقدرات الأمة.
3. مناسبة القصيدة :ــ تنطلق القصيدة من رحم الواقع العراقي بعد التحولات السياسية الكبرى التي عصفت بالبلاد، وما تلاها من صعود طبقة سياسية نفعية مارست الفساد والنهب والتهجير الطائفي والحزبي تحت غطاء مذهبي وديني زائف، محولةً وطن الحضارات والخيرات إلى مرتع للخراب والفقر.
ثانيًا: المرجعية الفنية للقصيدة ولغتها الشعرية : ــ تنتمي القصيدة فنيًا إلى مدرسة الواقعية التعبيرية ذات البعد الكلاسيكي الحديث.
ــ المرجعية الفنية: تمزج القصيدة بين رصانة البناء الخليلي القديم ، وحدة القافية والروي) وبين حداثة الصورة الشعرية المعتمدة على الرمز والتشخيص والمفارقة الساخرة.
ــ اللغة الشعرية: لغة تجمع بين الجزالة والقوة والوضوح؛ إذ لم يلجأ الشاعر إلى الغموض المبهم، بل استخدم مفردات حية من صميم الواقع اليومي والسياسي، مطوعًا إياها بأسلوب أدبي رفيع لا يبتذل اللفظ الشاعري.
ثالثاً: الهندسة الميكانيكية للقصيدة (البناء والعروض) : ـ
بنيت القصيدة هندسيًا على بحر المديد وهو من البحور المركبة التي تمنح الشاعر مساحة شاسعة للتعبير عن الحزن والتدفق الشعوري ؛ بما يتناسب نبرة الشكوى والألم.
ــ وسُمّي بالمديد لامتداد أجزائه السُّباعية حول أجزائه الخُماسية. ويُعد من البحور قليلة الاستخدام (المهجورة) لكونه ثقيلاً على السمع، ويُستخدم عادةً في الغناء والأناشيد. وتفعيلاته الرئيسية يتألف بحر المديد في الأصل من ست تفعيلات، ثلاث في كل شطر:فَاعِلاتُنْ فَاعِلُنْ فَاعِلاتُنْ *** فَاعِلاتُنْ فَاعِلُنْ فَاعِلاتُنْ
ــ الروي والقافية: اختار الشاعر حرف الباء المكسورة رويًا متلوًا بياء المد الساكنة (نَهْبِي، عُشْبِي، تُرْبِي…). الباء المكسورة تعكس دلاليًا انكسار الذات والوطن، وحركة الكسر المستمرة تشبه الآهة المترددة في صدر الشاعر الحزين.
رابعاً: صدق الشعور، وعمق المعنى، والصور والإيحاءات : ــ
ــ صدق الشعور:ــ يتدفق الصدق العاطفي في القصيدة بشكل جلي؛ فالشاعر لا يكتب بترف فكري، بل ينزف من جرح وطنه. وتتجلى حرقة الفقد في ضمير المتكلم الذي تماهى مع الوطن: (أَسَّسُوا الصَّرْحَ عَلَى عَظْمِ جِسْمِي).
ــ عمق المعنى:ــ يتجاوز النص مجرد الشكوى السياسية المباشرة ليدخل في كشف زيف التجارة بالدين والشعارات الحزبية (يَأْكُلُونَ الأَرْضَ لَحْمًا وَشَحْمًا / زَاعِمِينَ اللَّطْمَ مِنْ فَضْلِ حِزْبِ).
ــ الصور والإيحاءات: حفلت القصيدة بصور بيانية بارعة قائمة على التشخيص والاستعارة:
ــ تشخيص الطبيعة: (صَلَبُوا الشَّمْسَ)، (شَنَقُوا الْأَطْيَافَ)؛ وهي استعارات مكنية توحي باغتيال الأمل والحرية.
ـ المفارقة التصويرية: (يَزْرَعُونَ الْمِلْحَ فِي جُرْحِ عَذْبِي)؛ صورة حسية مؤلمة تدل على الإمعان في التعذيب وتخريب مواطن الجمال والخصب.
خامساً: الأبعاد الثقافية والفلسفية، ولغة الوجد والتيه: ــ
1. الأبعاد الثقافية والفلسفية:
ــ يستحضر الشاعر إرثاً ثقافياً وفكرياً عبر ثنائيات فلسفية واضحة:
ــ ثنائية الأسد والفأر: وهي مقاربة رمزية لتبدل القيم وصعود الرويبضة (قَلَّدُوا الفِئْرَانَ تِيجَانَ أُسْدٍ).
ــ البُعد الديني الفلسفي: نقد فكرة “الجبرية السياسية” وتبرير الفساد بالقضاء والقدر (قَائِلِينَ الْقَحْطُ مِنْ حُكْمِ رَبِّي!)، وهو نقد فلسفي واعٍ لتوظيف الدين لخدمة الطغيان.
ــ التناص القرآني والتاريخي: (بَطْنِ حُوتٍ)، (قَعْرِ جُبِّ)، تتقاطع هذه الرموز مع قصص الأنبياء (يوسف ويونس عليهما السلام) لتعبِّر عن عمق المحنة والابتلاء العراقي.
2. لغة الوجد والتيه:
ــ تتجلَّى في حنين الشاعر وعشقه الأبدي لتراب وطنه رغم كل هذا التنكيل، فالوطنية هنا وجد صوفي وتيه يعترف به الشاعر كذنب نبيل:
لَيْسَ ذَنْبِي أَنَّنِي عِشْتُ حُرَّاً
إِنَّمَا عِشْقُ الثَّرَى كَانَ ذَنْبِي
سادساً: روح القصيدة والقيمة التربوية لها:
ــ روح القصيدة:
ــ هي روح ثائرة متمرِّدة ترفض الاستكانة والمهادنة، تبكي ألماً وتصرخ غضباً، لكنها تظلُّ متمسِّكة بهويتها الحرَّة الأصيلة.
ــ القيمة التربوية:
ــ تعزِّز القصيدة قيم المواطنة الحقَّة، وتكشف زيف الانتماءات الحزبية الضيِّقة على حساب الوطن. تربِّي الأجيال على كشف الفساد، والاعتزاز بالحرية الفكرية، والحذر من تجار الأديان والشعارات البرَّاقة.
سابعاً: الرؤيا والأسلوب (إضاءة لغوية وبلاغية مفصلة):
1. الصوت والصرف:
ــ صوتيَّاً: تهيمن الأصوات المجهورة
والانفجارية (كالقاف والطاء والباء والضاد) لتضفي نبرة غاضبة وقوية تنسجم مع الموقف الساخط على المفسدين (قَحْط، قَهْر، غَصْب، جَلَّاد).
ــ صرفيَّاً: استخدام صيغ المبالغة والأفعال المضادة الدالة على الاستمرارية والحركة (يَسْرِقُونَ، يَأْكُلُونَ، يَحْلِبُونَ)، ما يدلُّ على استمرارية القهر ومأسسته.
2. النحو والإملاء والمعجم:
ــ نحوياً: برع الشاعر في استخدام المفاهيم النحوية ووظَّفها سياسيَّاً وبلاغيَّاً في بيت من أروع أبيات القصيدة:
شَاخَ فِعْلُ السَّلْبِ رَفْعًا بِجَزْمٍ
وَابْتُلِينَا نَحْنُ فِي فِعْلِ نَصْبِ
ــ وظّف الشاعر حركات الإعراب (الرفع، الجزم، النصب) والمصطلحات النحوية ليعبِّر عن ثبات حالة السلب (الرفع والجزم) ووقوع الشعب ضحيَّة للاستلاب والخديعة (النصب).
ــ إملائيَّاً: جاءت القصيدة منضبطة إملائيَّاً تلتزم بقواعد الهمزات والروابط والتركيب النحوي السليم.
ــ معجميَّاً: يزخر معجم القصيدة بألفاظ الألم البيئية والسياسية والاجتماعية (جُبّ، جَدْب، جُرْح، ذِئْب، سُحْت، السَّلْب).
3. الدلالة والبيان والبديع والمعاني:
ــ الدلالة: تنوّعت الدلالات بين المباشرة التقريرية الهادفة لتعرية الفساد، والدلالة الرمزية الموحية بالانعتاق والأمل المغتال.
ــ البيان: برز الطباق المقابل الواضح (بِيضٌ وَسُودٌ)، وكناية الموصوف في (بَطْنِ حُوتٍ) إشارة للسرية والبلع والسرقات الكبرى المليارية.
ــ البديع: الجناس غير التام الرقيق الخفي مثل (جَلَّادِي/جِسْمِي)، وحسن التقسيم والترتيب الموسيقي الداخلي للأبيات.
ـ المعاني: تنوعت الأساليب الإنشائية والخبرية ؛ حيث خرج الاستفهام في (كَيْفَ يُغْرِي مَوْطِنِي كُلَّ طَيْرٍ) إلى معنى التعجب والتحسر، بينما جاء النداء في (يَا بِلَاداً) للتحسر واللوعة وبث الألم.
ثامناً: التنظير النقدي وأنغام الشعر:
ــ التنظير النقدي: تخضع القصيدة لـ نقد الالتزام الأدبي ؛ فالأديب عباس علي يبرهن على أن الأدب ليس ترفاً جمالياً؛ بل هو سلاح للمقاومة وكشف العيوب البنيوية في الأنظمة الحاكمة.
ــ أنغام الشعر (الموسيقى الداخلية والخارجية):
ــ الخارجية: تمثَّلت في رنين منح الشاعر وقاراً، وقافية الباء المكسورة التي عزفت لحناً جنائزياً حزيناً تارة، وثائراً غاضباً تارة أخرى.
ـ الداخلية: تنشأ من تكرار حروف الصفير والهمس والتناغم بين حركات الكسر والضم، ما أحدث إيقاعاً داخلياً يشدُّ القارئ إلى مواصلة القراءة دون رتابة.
تاسعاً: جماليات القصيدة ونقاط القوة فيها: تمثلت جماليات القصيدة ونقاط قوتها في:
ــ الجرأة والمكاشفة: قدرة الشاعر على تسمية الأشياء بمسمّياتها دون مواربة، ونقده المباشر للممارسات الطائفية والمالية الفاسدة (يَغْسِلُونَ السُّحْتَ بِالخُمْسِ).
ــ التكثيف الصوري: إحالة الصور الطبيعية (الشمس، الغيث، السحب، الأطيار) إلى رموز مقيّدة ومسروقة ما يعكس شدة الاختناق الإنساني.
ــ العفوية والتدفق الحر: انسجام الأبيات وسلاستها البنائية لتبدو القصيدة وكأنها دفقة شعورية واحدة كُتبت بمداد القلب.
ــ المزاوجة الإبداعية بين اللفظ العامي الفصيح والنحوي التعبيري: ما قرّب الفكرة إلى عقل المتلقي البسيط والمثقف على حدٍّ سواء.
ــ ومن أروع جماليات القصيدة : أنها تحمل الألفاظ غير العربية أو المعرّبة وهذا له في القصائد السياسية والاجتماعية أبعاداً تفوق مجرد الدلالة اللفظية السطحية؛ فهي تتحوَّل إلى أدوات فنية مشحونة بالرموز. ومن تلك الألفاظ (الإسمنت) و(المليار)، ويمكن بيان قيمتها الدلالية والأسلوبية والتربوية على النحو التالي:
أولاً: القيمة الدلالية (المعنوية والرمزية):
ــ لفظة (الإسمنت) في بيت: “جَبَلُوا الإِسْمَنْتَ مِنْ قَطْرِ نَحْبِي”.
ــ الدلالة : ترتبط لفظة الإسمنت في الوجدان الحديث بالجمود، والقسوة، والمدنية الحديثة الجافة التي تفتقر للمشاعر.
ــ العمق الدلالي: استخدم الشاعر هذه المادة الصلبة ليدلَّ على البناء السلطوي الفاسد القائم على دماء الشعب وأنينه (قطر نحبي)، فالمادة المعربة هنا تعكس “المادية القبيحة” للسلطة الفاسدة التي تبني صروحها ومصالحها دون أي اعتبارات إنسانية أو وطنية.
ــ لفظة (المليار) في بيت: “خَبَّأُوا الْمِلْيَارَ فِي بَطْنِ حُوتٍ”
ــ الدلالة: المليار رقم فلكي حديث يعبِّر عن الثروات الهائلة والميزانيات الضخمة.
ــ العمق الدلالي: اختيار الشاعر لهذا اللفظ تحديداً (وليس ألفاظاً تراثية مثل: القنطار أو المال) يهدف إلى معاصرة الحدث؛ فهو يشير مباشرة إلى ملفات الفساد المالي الحديثة ونهب ثروات الوطن (النفطية والمالية) التي تُقدّر بالمليارات، وابتلاعها في جيوب الفاسدين (بطن حوت) مقابل تجويع الشعب.
ثانياً: القيمة الأسلوبية (الفنية والجمالية):
واقعية اللفظ وصدمة المتلقي: كسر الشاعر الرتابة اللغوية الكلاسيكية بإقحام ألفاظ معاصرة ومعربة داخل بنية القصيدة العمودية ذات الجزالة اللغوية.
هذا التناص اللغوي يُحدث صدمة أسلوبيَّة للمتلقِّي، تنقله من الأجواء التراثيَّة إلى الواقع المعاش المؤلم.
ــ المفارقة والتضاد الشعري:
في بيت الإسمنت، صنع الشاعر مفارقة أسلوبية بين مادَّة جافة حديثة (الإسمنت) وبين مشاعر إنسانية موغلة في الألم (النحب/ البكاء).
ــ وفي بيت المليار، أوجد طباقاً ومفارقة بين (المليار) المخبَّأ و(الجوع) المستقر في جوف المواطنين، ما عمّق الصورة الكاريكاتورية لحكومة الفئران.
ــ ملاءمة القافية والوزن: جاءت هذه الكلمات منسجمة سياقيَّاً وصوتيَّاً مع بحر القصيدة وقافيتها (الباء المكسورة المسبوقة بساكن)، ما يثبت تمكُّن الشاعر من تطويع اللفظ المعاصر لخدمة النظم التقليدي.
ثالثاً: القيمة التربوية (التوعوية والتوجيهية) :
ــ تنمية الوعي السياسي والاجتماعي: تساهم هذه الألفاظ في ربط الأجيال الناشئة بواقعهم الملموس، فالشعر ليس مجرَّد تحليق في الخيال، بل هو مرآة لقضايا العصر (كالفساد المالي ونهب الثروات الملياريَّة، وتدمير البنى التحتيَّة).
ــ غرس قيم العدالة ورفض الظلم: تحمل الأبيات رسالة تربوية مُبطَّنة تُنفر الناشئة من الجشع والسرقة (أكل السُّحت)، وتدعوهم إلى الحفاظ على مقدرات الوطن والوقوف في وجه الممارسات التي تُحَوِّل ثروات الشعب إلى مكتسبات حزبية أو فئوية ضيقة.
ــ التربية على المواطنة الحقَّة: تظهر الأبيات المفارقة بين شعارات السلطة الواهية وبين واقع الشعب البائس، ما يربِّي في القارئ حس النقد البنّاء، والتمييز بين الوطني المخلص وبين الانتهازي الذي “يحسب الأوطان ميراث غصب”.
ــ وخلاصة القول:
إنَّ استخدام عباس علي لهذه الألفاظ المعربة لم يكن ترفاً أو عجزاً لغوياً، بل كان ضرورة فنية وواقعية نجح من خلالها في تقريب النص من وجدان المواطن المعاصر، وتعرية الفساد بلغة يفهمها العصر الحديث، مُحقِّقاً بذلك توازناً رائعاً بين أصالة المبنى (القصيدة العمودية) وعصرية المعنى (الألفاظ والدلالات).
ــ وأخيراً الخلاصة النَّقديَّة والثناء على الشاعر:
ـ إنَّ قصيدة “حكومةُ الفئرانِ” للشاعر والأديب الكبير عباس علي هي تحفة أدبية خالدة، تُمثِّل علامة فارقة في شعر الاحتجاج العربي الحديث.
ــ لقد استطاع الشاعر بعبقريته الفذَّة وبلاغته المعهودة أن يصيغ وجع الإنسان العراقي والعربي في قالب كلاسيكي متين ورؤية حداثيَّة ثاقبة.
ـ نثني على هذا النَّفَس الشعري الأصيل، وعلى هذه الشجاعة الأدبيَّة الناقدة التي تجعل من الكلمة مرآة للحق وصوتاً للمقهورين.
ــ عباس علي لم يكن هنا مجرَّد ناظم للبيان، بل كان فيلسوفاً يُشخِّص الداء، ومؤرِّخاً يوثِّق المأساة، وفناناً يرسم بالكلمات ملاحم الصمود والتَّحدِّي وعشق الأرض.
تحيَّة إجلالٍ وتقدير لهذا القلم الحرِّ والنبض الصادق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى