
قبل ساعات من الضربة الأمريكية لإيران كانت أسواق الغاز المسال متفائلة بسبب عبور استثنائي لثلاث ناقلات غاز مسال من قطر والإمارات من مضيق هرمز (من ضمنهم ناقلتان قطريتان كانتا محبوستين في المضيق منذ بداية الحرب) وهو حدث لافت لم يحدث منذ بداية الحرب إلا في الأيام الأخيرة التي شهدت مرور 12 ناقلة غاز مسال من المضيق ولكن بطبيعية الحال فإن قرار ترامب بمهاجمة إيران وإعلان الأخيرة إغلاق المضيق قد أعاد الجميع مرة أخرى للمربع صفر مجددا حيث يراهن ترامب على اخضاع إيران عبر مسارين الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية واستهدافات دقيقة للقدرات العسكرية الإيرانية بينما لا تتنازل إيران عن ورقتها الاستراتيجية منذ اليوم الأول في الحرب وهي إغلاق المضيق.
أطلقت الولايات المتحدة بالأمس ضرباتها لتدفع إيران إلى الرضوخ في مسار المفاوضات بينما لم ينسى العالم تصريحات ترامب ومسؤوليه المتكررة قبل وقف إطلاق النار أن الضربات الأمريكية نجحت في تحقيق كل أهدافها وأن لا مفر للإيرانيين من التوقيع على الصفقة الأمريكية بدون شروط وهو الأمر الذي لم يحدث بل على العكس من ذلك استمرت إيران في مسار المفاوضات لما يزيد عن الشهرين دون أن يصل الطرفين إلى اتفاق وهكذا يحاول ترامب ووزير دفاعه إقناع الأمريكيين والعالم أن الضربة التي وجهها بالأمس ستحقق مالم تستطع الضربات الأمريكية تحقيقه على مدار شهر ونصف حتى قرار وقف إطلاق النار في 8 إبريل.
كما يظن ترامب أن سياسة حصار الموانئ الإيرانية ستدفع طهران إلى قبول شروط المفاوضات والواقع أن الحصار ليس له معنى بالرغم من فاعليته وبمعنى أدق فقد أدى الحصار إلى انخفاض الصادرات الإيرانية إلى 300 ألف برميل نفط يوميا بعد أن كانت الصادرات قد تخطط 2 مليون برميل يوميا وهذا الرقم هو أدنى حجم صادرات إيرانية منذ 6 سنوات ولكن أيضا من المهم أن نعرف أن إيران وصلت لهذا الرقم وحجم الصادرات المنخفضة نفسه خلال العقوبات النفطية وسياسة الضغط الأقصى التي مارسها ترامب على إيران في فترة رئاسته الأولى والتي لم تسفر عن تغيير سياسية إيران أو تغيير مواقفها والمحصلة هنا أن إيران التي تعاني من حصار منذ عقود هي آخر دولة نتوقع أن يتسبب الحصار في تغيير لسلوكها أو قبولها للشروط الأمريكية.
الجانب الاخر من الحصار الذي يتغافل عنه السيد ترامب هو الأزمات التي يقحم فيها الولايات المتحدة مع شركاؤها الاستراتيجيين واخرها أزمة مقتل 3 بحارة هنود بعد قصف أمريكا لناقلة نفط هندية كانت تُحمل شحنتها من الموانئ الإيرانية والمفارقة هنا أن ممارسات الحصار الأمريكي والاستهدافات الأمريكية للسفن هي في الواقع التي تسببت في ارتفاع أسعار الشحن والتأمين للناقلات التي تعبر المضيق بينما يستمر السيد ترامب في دعوة السفن والناقلات للمرور من المضيق بأمان!!
كما يؤكد الإعلان الإيراني بإغلاق مضيق هرمز الأمر الذي أصبح لا مفر منه أن هذا المضيق لن يعود كما كان من قبل في المدى القريب والمتوسط وربما لن يعود نهائيا بعد التغيرات في حركة الشحن والمسارات البديلة والحصص السوقية التي فقدتها الدول الخليجية لصالح الولايات المتحدة وروسيا وآخرون من كبار مصدري النفط والغاز حول العالم. وتقودنا المقارنة بمضيق باب المندب الذي لم تعد مستويات الملاحة فيه إلى طبيعتها بالرغم من مرور عام ونصف على وقف إطلاق النار في غزة إلى بعض النتائج الجوهرية فكما لم تعد الملاحة في مضيق باب المندي إلى ما كانت عليه قبل حرب الطوفان فكذلك لن تعود الملاحة في مضيق هرمز إلى ما كانت عليه قبل 28 فبراير بل إن الاعتقاد بأن المضيق سيعود ببساطة للوضع الذي كان عليه قبل الحرب بدأ يتلاشى ولم يعد هناك حديث حول هذا الاعتقاد من أكثر المتفائلين.
المحصلة النهائية أن الضربات الأمريكية والحصار الأمريكي لن يدفع الإيرانيين إلى تغير موقفهم في المفاوضات كما أن إغلاق مضيق هرمز لا يسبب أزمة لترامب وتصوراته في المكاسب الاقتصادية حيث تحقق الولايات المتحدة يوميا عائدات ضخمة من مبيعات النفط والغاز المسال المتزايدة إلى جانب الحصص السوقية التي تواصل الاستحواذ عليها ولذلك فنحن في الواقع أمام حلقة مفرغة.