(بلنجر) .. المعركة التي لا يعرفها كثيرون ، رغم أنها كانت من أكثر معارك الفتوحات الإسلامية المبكرة رهبةً وغرابة.

في سنة 30هـ ، وعلى أطراف بلاد الخزر شمال القوقاز – في المنطقة التي تقع ضمن داغستان اليوم – سقط قائدٌ مسلم في قلب المعركة ، بعد سنوات من القتال والانتصارات.
وحين سقط .. أخذ أخوه الراية من يده مباشرة ، ووقف مكانه وسط الفوضى والدماء ، ثم سمع الجيش صوتاً ينادي: «صبراً عبد الرحمن ، وموعدكم الجنة» .. وبعد مقتل الأخ الأول ، عاد الصوت مرة أخرى: «صبراً آل سلمان».
مشهد يبدو كأنه من ملحمة قديمة ، لكنه مذكور في كتب التاريخ الإسلامي المبكر.
– ما هي (بلنجر)؟!
ولماذا كانت بهذه الأهمية؟!
بعد سقوط الدولة الساسانية أمام المسلمين ، لم تنتهِ الأسئلة العسكرية للدولة الإسلامية ، بل بدأت مرحلة جديدة تماماً .. فشرقاً وغرباً كانت الفتوحات تتوسع بسرعة ، لكن شمال القوقاز بقي عالماً مجهولاً ومخيفاً.
هناك كانت تقيم دولة (الخزر) .. شعبٌ محارب ، جاء من سهول آسيا الوسطى ، وأسس قوة عسكرية كبيرة امتدت بين بحر قزوين والبحر الأسود.
لم يكونوا قبائل متفرقة أو بقايا دولة منهارة ، بل قوة منظمة تعرف طبيعة الأرض الجبلية جيداً ، وتجيد القتال فيها.
وكـان مـفتـاح تلك المـنطقـة مـدينـة واحــدة شـديـدة الأهـميـة:
(باب الأبواب) – دربند الحالية في داغستان – مدينة حصينة على ساحل بحر (قزوين) ، تُعد البوابة الطبيعية بين القوقاز والعالم الإسلامي ، ومن يسيطر عليها يستطيع العبور نحو الشمال.
– الرجل الذي أرعب (الخزر):
في سنة 22هـ ، أرسل الخليفة “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه القائد “سراقة بن عمرو” لفتح تلك الجبهة ، وجعل على مقدمة الجيش رجلاً اسمه “عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي” رضي الله عنه ، وكان من فرسان العرب المشهورين ، وقد برز اسمه منذ معركة (القادسية).
وبعد وفاة “سراقة” ، تولى “عبد الرحمن” القيادة الكاملة ، وبدأ سلسلة حملات جريئة داخل أراضي (الخزر) .. وكان يهاجم ثم يعود بالغنائم والنصر ، حتى صار اسمه مرعباً عند (الخزر) أنفسهم.
وتذكر بعض الروايات أنهم كانوا يقولون: «ما يقاتلنا هؤلاء إلا ومعهم ملائكة تمنعهم من الموت».
حتى لُقِّب “عبد الرحمن” في بعض المصادر بـ (ذي النور).
سنوات طويلة كان (الخزر) يتجنبون مواجهته المباشرة ، ويتحصنون خلف الغابات والممرات الجبلية .. لكن في سنة 30هـ تغيّر كل شيء.
– الكمين:
خرج “عبد الرحمن بن ربيعة” مرة أخرى نحو (بلنجر) ، إحدى أهم مدن (الخزر) الجنوبية ، لكن هذه المرة كان (الخزر) قد غيّروا أسلوبهم بالكامل.
بدلاً من المواجهة المباشرة ، اختبأوا داخل الغابات الكثيفة والغياض ، وانتظروا اللحظة المناسبة.
ثم بدأ الهجوم المفاجئ .. قُتل أحد المسلمين على حين غِرّة ، واضطربت الصفوف ، وفي اللحظة نفسها خرج (الخزر) من مخابئهم وشنوا هجوماً واسعاً على الجيش الإسلامي .. واشتعلت المعركة.
– الأخوان والراية:
تذكر الروايات أن منادياً نادى من الجو قائلاً: «صبراً عبد الرحمن ، وموعدكم الجنة».
ثم قاتل “عبد الرحمن بن ربيعة” حتى قُتل .. سقط القائد الذي أخاف (الخزر) سنوات طويلة على أرضهم.
لكن الراية لم تسقط ، فقد أخذها أخوه “سلمان بن ربيعة الباهلي” رضي الله عنه ، ووقف مكانه مباشرة يكمل القتال .. ثم جاء النداء مرة أخرى: «صبراً آل سلمان».
مشهد نادر في التاريخ .. أخوان يقاتلان في أقصى شمال العالم المعروف للمسلمين آنذاك ، أحدهما يسقط ، والآخر يرفع الراية في اللحظة نفسها.
– النهاية:
إنتهت معركة (بلنجر) بتراجع الجيش الإسلامي ، لم تكن انهياراً كاملاً ، لكنها كانت ضربة موجعة ، وأول توقف حقيقي للتوسع الإسلامي في تلك الجبهة الشمالية.
وأدرك المسلمون أن القوقاز ليس كالعراق ولا الشام ولا فارس ، فالجبال هناك ، والممرات الضيقة ، وطبيعة حرب (الخزر) ، جعلت أي تقدم شمالاً مهمة شديدة الصعوبة.
ولهذا بقي (الخزر) قوةً تواجه المسلمين لعقود طويلة ، حتى اندلعت لاحقاً الحروب الإسلامية الخزرية الكبرى في العصر الأموي.
أما “عبد الرحمن بن ربيعة” ، فقد دُفن هناك ، بعيداً عن المدينة والمنبر والأهل .. على أطراف العالم.
وكان المؤرخون يذكرون أن أهل تلك المناطق كانوا يستسقون عند قبره طلباً للمطر ، لما رأوه من مكانته وشهرته بين الناس.
– ما الذي بقي من (بلنجر)؟
اليوم .. لا يعرف هذه المعركة إلا المتخصصون في التاريخ الإسلامي المبكر .. لا أفلام عنها ، ولا مسلسلات ، ولا حتى ذكر واسع في الكتب العامة.
لكنها كانت واحدة من تلك اللحظات التي وصلت فيها الفتوحات الإسلامية إلى أقصى حدود المجهول ، لحظة وقف فيها رجالٌ على أبواب القوقاز ، في مواجهة عالم لم يكن يشبه شيئاً عرفوه من قبل.
وقد لا تكون (بلنجر) فُتحت يومها .. لكن “عبد الرحمن بن ربيعة” وصل إليها .. وفي التاريخ ، أحياناً يكفي أن تصل.
المصادر:
– الطبري، “تاريخ الرسل والملوك”.
– البلاذري، “فتوح البلدان”.
– ابن الأثير، “الكامل في التاريخ”.
– الذهبي، “سير أعلام النبلاء”.
– ابن كثير، “البداية والنهاية”.