
في التاريخ الإسلامي لم تعرف الأمة دولة رسمية كبرى باسم “تركيا”، بل كانت الدول تُنسب إلى الأسر الحاكمة أو إلى المشروع الحضاري الجامع، مثل الخلافة الراشدة، والأموية، والعباسية، ثم الدولة السلجوقية، فالدولة العثمانية.
أما الجمهورية التركية فقد نشأت سنة 1923م بعد سقوط الدولة العثمانية، ثم أُلغيت الخلافة سنة 1924م، لتظهر دولة قومية حديثة تُعرّف نفسها باسم “تركيا”، متأثرة بالتيارات القومية التركية والطورانية التي تبلورت في أواخر العهد العثماني، ثم تجسدت سياسيًا مع مصطفى كمال أتاتورك..
ولم يكن الأتراك أصلًا من سكان الأناضول الأصليين بل كان سكانها هم الروم اليونان ، أما الترك يعود موطنهم إلى بلاد تركستان في آسيا الوسطى قرب الصين ، الممتدة عبر مناطق واسعة تضم اليوم تركستان الشرقية، وأوزبكستان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وتركمانستان، وأذربيجان، إضافة إلى مناطق في إيران وأفغانستان وروسيا. وما تزال هذه الشعوب تتحدث لغات تركية متقاربة تختلف لهجاتها كما تختلف لهجات العرب فيما بينهم.
أما الأتراك فهم أحفاد يافث بن نوح عليه السلام، مع العديد من الشعوب التي خرجت من نسله مثل الصينيين و المغول و التتار و يأجوج و مأجوج . وأقرب شعب لهم هم أبناء عمومتهم المغول و التتار و لهم نفس الخصائص الجسمية … وقد عاشوا قرونًا طويلة في سهوب آسيا الوسطى قبل أن يتجهوا نحو العالم الإسلامي ويصبحوا جزءًا من حضارته.
دخول الأتراك في الإسلام
بدأ الاحتكاك المباشر بين المسلمين والترك بعد سقوط الدولة الساسانية، ثم تعزز خلال الفتوحات الإسلامية في المشرق. وفي العصر الأموي توغلت جيوش المسلمين في بلاد ما وراء النهر بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي، حتى وصلت إلى تخوم الصين.
وفي العصر العباسي وقعت معركة نهر طلاس الشهيرة سنة 751م، التي شكلت نقطة تحول كبرى في تاريخ آسيا الوسطى، وأسهمت في تراجع النفوذ الصيني وصعود النفوذ الإسلامي، فبدأت أعداد متزايدة من الأتراك تعتنق الإسلام.
وجاء التحول الأكبر مع إسلام ستوق بغرا خان، أحد كبار حكام الترك، الذي أعلن إسلامه ونشره بين قومه، فدخلت أعداد هائلة من الأتراك في الإسلام، وقامت دولة القراخانيين التي تعد أول دولة تركية مسلمة في التاريخ.
ومنذ ذلك الوقت أصبح الأتراك من أبرز شعوب العالم الإسلامي، فظهرت الدولة الغزنوية بقيادة محمود الغزنوي، ثم الدولة السلجوقية التي أعادت للخلافة العباسية هيبتها العسكرية والسياسية، ومهدت الطريق لقيام الدولة العثمانية لاحقًا .
من الناحية التاريخية، لم يكن الأناضول أرضًا تركية الأصل، بل كان موطنًا لحضارات قديمة متعددة، أبرزها الحضارة البيزنطية (الرومية) التي شكلت الأغلبية السكانية قبل الفتح التركي الإسلامي.
ومع انتصار السلاجقة في معركة ملاذكرد سنة 1071م، بدأت موجات الاستقرار التركي في الأناضول، ثم تتابعت الهجرات القادمة من آسيا الوسطى على مدى قرون، خصوصًا في العهد السلجوقي والعثماني، حيث امتزجت العناصر التركية الوافدة بالسكان الأصليين من الروم (البيزنطيين) والأناضوليين، إضافة إلى شعوب البلقان والقوقاز.
ومع مرور الزمن، حدثت عملية تحول تدريجي في اللغة والثقافة والدين ، حيث اعتنق جزء كبير من السكان الروم الإسلام، وتبنّى اللغة التركية بوصفها لغة الدولة والإدارة، خاصة في العهد العثماني الذي جعل التركية العثمانية لغة رسمية للإدارة إلى جانب العربية والفارسية.
ولهذا فإن المجتمع التركي الحديث في الأناضول هو نتيجة تداخل تاريخي طويل بين عناصر قادمة من آسيا الوسطى وعناصر محلية أناضولية بيزنطية، إضافة إلى تأثيرات من البلقان والقوقاز، وهو ما يجعل الهوية السكانية الحالية هوية مركبة وليست أحادية الأصل. و بمعنى اخر الاتراك ليسو أتراك بل هم خليط بين الشعوب اعتنقت الاسلام أغلبهم من الروم اليونان .
أما الدولة العثمانية لم تكن دولة قومية تركية
رغم أن العثمانيين ينحدرون من أصول تركية أوغوزية، فإن الدولة العثمانية لم تُبنَ على أساس قومي تركي، بل على أساس ديني إسلامي جامع، ضم العرب والكرد والألبان واليونان والصرب والبوشناق وغيرهم.
وكانت المناصب العليا في الدولة مفتوحة أمام مختلف الشعوب، وتولى الصدارة العظمى شخصيات من أصول صربية وألبانية ويونانية وغيرها، مثل سوكولو محمد باشا وسنان باشا وغيرهم.
أما الجمهورية التركية الحديثة
مع قيام الجمهورية التركية التي إخترعها أتاتورك من العدم و شتات بقايا الدولة العثمانية ، و إختار لدولته هوية تركية أساسًا سياسيًا جديدًا بدل الإسلام ، و جعل لتلك الشعوب المسلمة من روم و بقايا السلاجقة و خليط شعوب البلقان و القوقاز وهما سماه القومية التركية ، و إلا حتى أتاتورك لم يكن تركيا ، بل ترجع أصوله لشعوب البلقان …
كما تبنت الدولة العلمانية الحرف اللاتيني بدل العربي، وأعادت تشكيل اللغة التركية في إطار مشروع قومي ليس له واقع تاريخي . عرض أقل