كتاب وشعراء

تداخل الأصداء… بقلم الشاعر العراقي: عباس علي

قارئي العزيزْ،
لا تقرأ…
فالقصيدةُ التي بين يديكْ
احترقتْ قبلَ أن ترتديكْ
ألم أقلْ لكَ:
بعضُ المجازِ يموتُ من فرطِ التحديقْ؟

ها أنا أُخيطُ فمَ ورقتي…
كي لا ترى دمعتي
لكنَّكَ تفتقُ الحروفْ،
وتُعيدُ ترتيبَ حربكَ على هيئةِ حربي!

أرجوكَ.. لا تقتحمْ أندلسي
فالنهرُ يلفظُ لُذريقْ
وليسَ يغرقُ فيَّ شيءٌ،
أغرقُ أنا
وليس يموتُ فيَّ أحدٌ،
أموتُ أنا مكانَ الجميعْ..

أكتبُ الآنَ، وأنا أعلمُ أنك تقرؤني..
وتخافُ الغرقَ في هذا المضيقْ..
فأراكَ الحطبَ.. عائماً في الحريقْ!

تعالَ لنلتقيْ..
في منتصفِ الطريقْ
بينَ المهدِ واللحدِ،
حيثُ أموتُ.. وأولدُ في ذاكرتِكْ،
وحينَ تولدُ.. أموتُ في ماضيكْ،

وفي اللحظةِ التي تقرأُ فيها هذهِ القصيدة
أكونُ قد متُّ منذُ ألفِ عامْ،
وحيـنَ تموتُ أنتَ
أكونُ قد ولدتُ في ذاكرةِ حفيدِكْ،

نحنُ أصداءٌ نتبادلُ الأدوارْ
في مسرحيةٍ بلا كاتبْ
كصفحةِ كتابٍ قُرِئَتْ.. قبلَ أن تُكتبْ

قارئي العزيزْ،
هذهِ الورقةُ بياضٌ وُلِدَ من فراغِنا..
بياضٌ يقتاتُ على أصابعِنا
أرأيتَ الفراغَ الذي خلَّفتْهُ كلمةُ الموتْ؟
هلمَّ… ندخلُ إليهِ، ثم نذوبُ فيهِ

نحنُ
الضئيلانِ
اللذانِ
يسكنانِ
الفراغْ

وحيـنَ تسمعني الآنْ..
نكونُ في هذا الفراغِ نتجزأ،
تتبادلُ حواسنا أماكنَها؛
فَنَسْمَعُ ألوانَ المتاهاتْ،
وَنَرى روائحَ الذكرياتْ،

تتداخلُ حواسّي بحواسِّكْ؛
أرى صوتَكَ.. أتشربُ أنفاسَكْ،
ألمسُ صمتَكَ وهو يتذوقُ ندبي،
وأصيرُ مسافةً.. بينَ هُدبِكَ وهُدبي

والآنْ…
تابِعْ…
القراءةَ،
وكُنْ شاهداً على ذنبي
أَوْ…
أغلقْ…
الصفحةَ،
ودعني أموتُ بصمتْ

الخيارُ لكَ،
أما أنا…
فَقَدْ اخترتُ أن أخترقْ،
كلمةً… كلمة،
كي لا أقعَ في فراغِنا..
مرةً أخرى.

عباس علي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى