
ــــــــــــ “لست بحاجة لحرق الكتب لتدمير الثقافة، فقط امنع الناس من قراءتها.” راي برادبري مؤلف رواية : 451 فهرنهايت، عن حرق الكتب.
الكتابة لجمهور سياسي بلغة الأدب والثقافة والفكر ظاهرة غريبة،
مثل خطبة صلاة الجمعة لجمهور من البوذيين الأسرى أو ولادة تمساح من بقرة، و كحفلة طرب في قداس جنائزي،
لأن الجمهور السياسي يقرأ كل شيء من منظار سياسي بلا ثقافة، وهو ما رسخته الاحزاب الشمولية في وعي القارئ في ان كل شيء يفسر سياسيا حتى الظواهر العلمية والطبيعية والنفسية ولا علوم اخرى في الحياة غير السياسة بأردأ نسخها.
قارئ سجين خطابات وأوهام عن الحياة ويفسر كل شيء من هذه الزوايا المعطوبة،
وتختفي كل مناهج التحليل والتفكير والمعرفة فلا علم الاجتماع ولا علم النفس ولا علم التاريخ ولا الفكر ولا الفلسفة ولا حتى الأدب يحضر في التحليل،
والسبب يعود الى قرن من الثقافة السياسية الشعاراتية الباهتة التي لقنت أجيالاً على الأوهام وسطحت أجيالاً أخرى،
بحيث يستطيع اليوم تفسير أية ظاهرة إنطلاقاً من ذهنية سياسية،
مفرغة من كل منهج وعلم ومعرفة حقيقية،
ويمكنه تفسير كل الظواهر التي تخضع لعلوم كثيرة إنطلاقاً من هذه الذهنية وهذا اغتيال لوعي القارئ عندما نشجعه على هذه القراءة السطحية التي جذرها فيه ما يسمى” المثقف السياسي” خلال قرن من التبشير والتلقين الذي انتهى مفلسا كدور ولغة وتحولت تنظيراته الى حمامات دم.
وفي حالات كثيرة تكاد تكون يومية اكتب موضوعا ادبيا او سرديا مشوقا لكي أمرر به قضايا حساسة بلغة غير مباشرة ولا خطابية مستهلكة، فيضع البعض ملصق بكاء كما لو اننا في خيمة عزاء او موكب تشييع او لحظة دفن وليس في حوار ثقافي.
عادة ما أتحاشى لغة الأدب في المقالات حتى وصلت في حالات الى تسطيح ظواهر لغرض تبسيطها،
أمام جمهور يتحدث بلغة يقينية جازمة قاطعة باترة من ثقافة شفوية لا ترتكز
على أي أساس معرفي بل تغرف من موروثها الشخصي وتعتبره قانوناً
كما لو أن الحياة خلت من علوم ومعايير ومناهج وثقافات كثيرة.
لا يمكن صناعة جمهور يهتم بالثقافة والفكر والادب والمعرفة لأن الأمر يتعلق بعوامل كثيرة عامة وفردية،
لكن لا يمكن الركون الى تفسيرات هذا الجمهور ولا الارضاء لان ولاء المثقف للحقيقة وحدها ولأن لغة الأدب تتقاطع بل تتناقض مع لغة السياسة،
ولا يمكن قراءة الأدب والفكر والعلم من منظور ثقافة سياسية مبسطة،
لذلك لا تنتج المجتمعات المسيسة مفكرا أو فيلسوفاً إلا في حالات خاصة نادرة،
لأن المجتمع، قبل السلطة، من يتولى كبح هؤلاء،
ويفرض عليهم العودة الى السائد والمكرر والقاموس المستهلك.
النظم والمجتمعات القمعية المغلقة لا تحتاج الى رقيب لمراقبة وعي الجمهور، لأنها زرعت فيهم مفاهيمها وتصوراتها وتفسيراتها ولغتها،
ولن تتحرر من السلطة أبداً، لأنها سلطة ذاتية ورقابة داخلية بكل معنى الكلمة.
المعرفة تتراكم في الحوار الثقافي والفكري بالتطابق او الاختلاف ويتحول القارئ الى كاتب وتتحول الكتابة الى عملية بناء مستمرة وهذا هو تاريخ الثقافة.