
حين تتحول المعركة مع الحوثيين إلى اختبار للنظام الأمني الجديد في المنطقة
كنت وما زالت أفضل، كما أفعل عادة، ألا أتعجل في بناء موقف على تسريبات أولية.
في الملفات الاستراتيجية، لا تكفي المعلومة الأولى، ولا يكفي أن تنشر صحيفة إسرائيلية رواية عن اتصالات سرية حتى تتحول الرواية إلى حقيقة مكتملة. الأهم هو أن ننتظر قليلًا هل تتكرر المعلومة؟ هل تظهر مؤشرات ميدانية تؤكدها؟ هل تتحرك الأطراف المعنية بما يتسق معها؟
…
خلال الأيام الأخيرة بدأت الصورة تصبح أكثر وضوحًا.
السعودية تواجه الآن وضعًا مختلفًا جذريًا عن المعادلة التي حكمت علاقتها بالحوثيين منذ هدنة 2022. فالحوثيون لم يعودوا مجرد قوة يمنية تضرب من الداخل اليمني، وإنما تقدموا على ساحل البحر الأحمر وسيطروا على مواقع وجزر ذات أهمية استراتيجية قرب باب المندب، بالتزامن مع تصعيد الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية. وتقول تقارير حديثة إن المعارك أدت إلى نزوح أكثر من مئة ألف يمني، بينما أصبحت خطوط الطاقة والممرات البحرية السعودية جزءًا مباشرًا من مسرح الصراع.
…
هنا تغير السؤال.
لم يعد السؤال: هل تستطيع السعودية ضرب الحوثيين؟
بل أصبح:
هل تستطيع السعودية إنتاج معرفة استخباراتية كافية لتغيير ميزان المعركة؟
وهذه نقطة مختلفة تمامًا.
من القصف إلى المعرفة
المؤكد حتى الآن أن الرياض طلبت دعمًا أمريكيًا مباشرًا في مواجهة الحوثيين، وأن واشنطن رفضت الانخراط في ضربات أمريكية مباشرة، لكنها وافقت على تقديم دعم استخباراتي ومساندة في الاستهداف.
والأكثر دلالة أن قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر التقى محمد بن سلمان في جدة بعد تصاعد القتال، في سياق بحث الدعم الأمريكي للسعودية.
هذه ليست مساعدة عسكرية تقليدية.
إنها محاولة لتعويض فجوة في الوعي العملياتي.
…
ففي الحروب الحديثة لا تكفي الطائرة التي تستطيع الوصول إلى الهدف. السؤال الحاسم هو: كيف عرفت مكان الهدف أصلًا؟ وكيف عرفت توقيت وجود القيادات فيه؟ وكيف ميزت بين منشأة عسكرية ومنشأة مدنية؟ وكيف استطعت تحديث الصورة في الوقت الحقيقي؟
وهنا تصبح الأقمار الصناعية، والاستطلاع الإلكتروني، والتنصت، وتحليل الاتصالات، والطائرات غير المأهولة، ومصادر المعلومات البشرية، ودمج البيانات، أهم أحيانًا من عدد الطائرات نفسها.
وهذا تحديدًا ما يجعل الدعم الأمريكي للسعودية ذا قيمة مختلفة عن مجرد تزويدها بسلاح إضافي.
وماذا عن #إسرائيل؟
هنا يجب أن نفرق بين المعلومة المؤكدة والتسريب.
تقارير إسرائيلية، بينها Jerusalem Post وIsrael Hayom، تحدثت خلال 15 و16 سبتمبر عن اتصالات سعودية ـ إسرائيلية عبر القيادة المركزية الأمريكية، بهدف توفير معلومات استخباراتية تساعد الرياض في مواجهة الحوثيين.
كما أشار معهد ISW، نقلًا عن مصادر أخرى، إلى مباحثات بشأن إمكانية تقديم إسرائيل دعمًا استخباراتيًا للسعودية في مواجهة الحوثيين.
لكن لا تزال هناك نقطة يجب عدم تجاوزها:
لدينا تقارير متعددة عن اتصالات ومناقشات ومساعدة استخباراتية محتملة، وليس لدينا حتى الآن إعلان سعودي أو إسرائيلي رسمي يكشف طبيعة المعلومات التي تم تبادلها أو حجمها أو العمليات التي استخدمت فيها.
وهذا فارق مهم جدًا في التحليل.
لأن الانتقال من “هناك تعاون استخباراتي محتمل” إلى “بدأت إسرائيل بالفعل إعطاء الرياض إحداثيات أهداف محددة” يحتاج إلى دليل إضافي.
لكن لماذا إسرائيل تحديدًا؟
لأن المسألة هنا لا تتعلق فقط بامتلاك المعلومات، وإنما بنوعية المعلومات.
إسرائيل تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع بيئة صاروخية وطائرات مسيرة وشبكات اتصالات وقوى غير نظامية، كما أنها راكمت خبرة واسعة في عمليات الاستهداف بعيدة المدى وفي بناء منظومات متعددة المصادر لاكتشاف الأهداف وتحديدها.
لكن المفارقة أن إسرائيل نفسها ليست متحمسة بالضرورة للدخول المباشر في الحرب اليمنية.
فقد نقل Al-Monitor عن مصدر استخباراتي إسرائيلي أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعارض هجومًا استباقيًا على الحوثيين، وهو ما يعني أن تقديم معلومات أو دعم دفاعي محتمل لا يساوي بالضرورة قرارًا إسرائيليًا بالدخول في الحرب.
وهنا تظهر قيمة الوسيط الأمريكي.
واشنطن تستطيع أن تكون حلقة الوصل بين الرياض وتل أبيب من دون أن تتحول إسرائيل إلى طرف معلن في الحرب.
هل تريد الرياض استنساخ تجربة الحرب على إيران؟
هذا الجزء من الرواية يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر.
من الثابت أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في فبراير أدت إلى مقتل علي خامنئي، وأن العملية اعتمدت على مستوى مرتفع من العمل الاستخباراتي والاستهداف الدقيق.
لكن القول إن محمد بن سلمان “كان معجبًا جدًا” بهذه الضربات، أو أنه يريد حرفيًا استنساخ النموذج الإسرائيلي ـ الأمريكي في اليمن، يحتاج إلى مصدر مباشر، وليس مجرد استنتاج.
أما الاستنتاج الاستراتيجي فهو أكثر قابلية للدفاع عنه:
إذا كانت الرياض تحصل بالفعل على معلومات أمريكية، وتبحث بالتوازي عن معلومات إسرائيلية، فإن الهدف المنطقي سيكون الانتقال من نمط القصف الواسع إلى استهداف نوعي لبنية القيادة والسيطرة والقدرات الصاروخية والطائرات المسيرة ومراكز التخزين والإطلاق.
وهذا ليس استنساخًا آليًا للحرب على إيران، وإنما انتقال في طبيعة الحرب:
من استنزاف الخصم إلى محاولة تفكيك قدرته على إنتاج الهجمات.
وهذه معركة مختلفة تمامًا.
تركيا: الحليف أم القوة التي ستدخل الحرب؟
هنا أيضًا يجب ألا نسبق الوقائع.
تركيا أعلنت بوضوح دعمها لأمن السعودية، وأدانت رسميًا الهجوم الحوثي الأخير، مؤكدة تضامنها مع الرياض.
كما أن اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان ينص على أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجومًا على الجميع.
لكن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أوضح أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها، وأنه قائم على مفهوم الدفاع الجماعي.
لذلك فإن العبارة الأدق ليست:
“تركيا ستدخل الحرب ضد الحوثيين.”
بل:
تركيا باتت جزءًا من شبكة الردع الجديدة حول السعودية، لكن طبيعة تدخلها، إذا تطورت الأزمة، لم تُحسم علنًا بعد.
وهذه نقطة مهمة.
فتركيا قد تبدأ بالاستخبارات، والدفاع الجوي، والدعم اللوجستي، والتنسيق العسكري، وربما تتطور مساهمتها لاحقًا وفق مسار الحرب.
أما القفز مباشرة إلى تدخل عسكري تركي في اليمن، فلا تؤكده الوقائع المتاحة حتى الآن.
وماذا عن مصر؟
هنا أختلف مع العبارة التي تختزل المسألة في أن السعودية “تعرف إمكانيات الجيش المصري المحدودة”.
هذه صياغة لا تخدم التحليل الاستراتيجي؛ لأنها تحول مسألة مركبة إلى حكم تقويمي على جيش دولة.
المسألة الحقيقية أكثر تعقيدًا.
السعودية طلبت بالفعل دعمًا من مصر في سياق الأزمة الحالية، لكن لم يصدر حتى الآن التزام مصري معلن بالدخول العسكري في الحرب.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الرياض ترى أن مصر “لا تستطيع”.
هناك فرق بين القدرة العسكرية والقرار السياسي باستخدام القدرة، وبينهما أيضًا سؤال آخر: ما نوع القدرة المطلوبة أصلًا؟
إذا كانت المشكلة السعودية الحالية تتعلق بالاستطلاع، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي، واستنزاف صواريخ الاعتراض، وتأمين الممرات البحرية، وتحديد مواقع الإطلاق، واختراق شبكات القيادة والسيطرة، فإن إرسال قوات برية أو مدرعات مصرية إلى اليمن ليس بالضرورة هو الحل الأكثر اتصالًا بجوهر المشكلة.
وبالعكس، فإن مصر تملك عنصرًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله: الجغرافيا البحرية.
فأمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس ليس قضية سعودية فقط.
إنه سؤال مصري مباشر.
ولهذا فإن القاهرة لا تحتاج بالضرورة إلى خوض حرب برية في اليمن حتى تكون لاعبًا أساسيًا في المعادلة.
هنا تكمن المفارقة الكبرى
السعودية كانت خلال السنوات الماضية تحاول بناء قدرة دفاعية وطنية أكبر، وتخفيف اعتمادها المباشر على التدخلات الخارجية.
لكن الأزمة الحالية تكشف شيئًا آخر:
الدولة التي تستطيع شراء أحدث المنظومات لا تستطيع شراء المعرفة الاستراتيجية بالسرعة نفسها.
يمكن شراء الطائرات.
يمكن شراء الدفاعات الجوية.
يمكن شراء الأقمار الصناعية.
لكن تحويل كل ذلك إلى صورة استخباراتية موحدة للخصم يحتاج إلى منظومة كاملة من المعرفة والخبرة والربط بين المصادر.
وهذا هو السبب في أن المعركة الحالية قد تكون أكثر أهمية من مجرد معركة سعودية ـ حوثية.
إنها اختبار للنظام الأمني الجديد الذي بدأ يتشكل في المنطقة.
من تحالفات الدول إلى شبكات القدرات
اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل أحد مظاهر هذا التحول.
والتعاون الاستخباراتي الأمريكي مع السعودية يمثل مظهرًا آخر.
والاتصالات السعودية ـ الإسرائيلية، إذا تأكدت بصورة أوسع، تمثل طبقة ثالثة شديدة الحساسية.
أما مصر فتظل لاعبًا مختلفًا بحكم موقعها في البحر الأحمر وقناة السويس وعلاقاتها الإقليمية، حتى لو لم تدخل الحرب عسكريًا.
بمعنى آخر، نحن أمام شبكة لا تعمل بالضرورة وفق منطق:
من معنا ومن ضدنا؟
بل وفق منطق:
من يملك أي قدرة، ومتى يحتاج إليها الطرف الآخر؟
وهذا هو التحول الأهم.
إسرائيل تملك جزءًا من المعرفة الاستخباراتية.
الولايات المتحدة تملك منظومة القيادة والاستطلاع والاستهداف.
تركيا تملك قوة عسكرية وصناعة دفاعية وقدرة على الحركة بين مساحات متعددة.
باكستان تملك قدرة عسكرية وردعًا نوويًا وخبرة في المجال الآسيوي.
مصر تملك ثقلًا جغرافيًا وبحريًا وسياسيًا لا يمكن تجاوزه في البحر الأحمر.
والسعودية تملك المال والطاقة والموقع والقدرة على تمويل وبناء منظومات أمنية ضخمة.
لكن المشكلة أن امتلاك عناصر القوة لا يعني تلقائيًا امتلاك بنية القوة.
وهنا تحديدًا يصبح الحوثيون أكثر من مجرد خصم يمني.
لقد أصبحوا اختبارًا لقدرة النظام الإقليمي الجديد على تحويل المعلومات والمال والسلاح والتحالفات إلى قوة قابلة للاستخدام في الوقت المناسب.
والسؤال الذي يستحق الانتظار
لذلك، لا أعتقد أن السؤال الآن هو:
هل ستضرب السعودية الحوثيين؟
هي تضربهم بالفعل.
السؤال الأهم:
هل ستتمكن الرياض من تحويل التفوق الاستخباراتي الخارجي إلى قدرة سعودية مستقلة على إنتاج الأهداف وتحييدها؟
إذا نجحت، فقد نكون أمام تحول حقيقي في قواعد الحرب في اليمن.
أما إذا بقيت المعلومات موزعة بين واشنطن وتل أبيب، والقدرة التنفيذية في الرياض، والميدان اليمني في يد الحوثيين، فقد تتحول الحرب إلى دورة جديدة من الاستنزاف.
وهنا يصبح انتظار ما سيحدث خلال الأيام المقبلة أكثر أهمية من إطلاق الأحكام الآن.
فالمؤشرات بدأت تتشكل، لكن النتيجة الاستراتيجية لم تنضج بعد.
والفرق بين الصحفي الذي يلاحق الخبر، والباحث الذي يحاول فهم الاتجاه، هو أحيانًا القدرة على الانتظار قليلًا حتى تتحدث الوقائع عن نفسها. عرض أقل