كتاب وشعراء

وُلدتُ…..بقلم بسام المسعودي

وُلدتُ
لا في حضنِ ساعةٍ تعرفُ واجبها،
بل حين انخلعَ الليلُ من كتفِ السماء،
وسقطَ دفعةً واحدة
كأسرارٍ لم تُمنح أسماءها بعد.
لم يكن هناك تاريخٌ يقفُ لي،
ولا رقمٌ يتوكّأ عليه النهار.
كان الميلادُ حادثًا جانبيًا في كتابِ الكون،
سطرًا نُسيَ
لأن أحدًا لم ينتبه
أن الحياة كانت تمرّ من هناك.
أبي
مرّ على ولادتي كما يُمرّ على غيمةٍ عابرة،
لوّحَ لها دون أن يسألها
من أين جاءت
ولا إلى أين ستمطر.
لم يعلّق اسمي على مسمارِ يوم،
تركه حرًّا،
يشيخ قبل أن يتعلّم العدّ،
ويكبر بلا شاهد.
وأمّي قالت
كمن يقرأ نبوءةً لا يريد تصديقها:
جئتَ مفطومًا من الدهشة،
رضعتَ الخسارة
قبل أن تحفظ طعم الحليب،
وكان قلبك مستعجلًا،
سبق صدرك إلى التعب،
كأنه كان يعرف
أن الطريق أطول
من عمرٍ واحد.
منذ ذلك السقوط الأوّل
وأنا أبحث عن مولدي
في الأشياء التي لم تكتمل:
في ضحكةٍ تردّدت ثم انكسرت،
في فرحٍ ضلّ العنوان
ومات واقفًا في الزحام،
في يومٍ لم يجرؤ التقويم
على تبنّيه.
أفتّش في جيوب العمر
عن أثرِ يدٍ صافحتني ولم تُكمل،
عن صوتٍ قال: تعال
ثم اختفى قبل أن ألتفت.
أقيس حياتي
لا بالسنين،
بل بعدد المرّات
التي أفلتُّ فيها من ولادةٍ أخرى،
من اسمٍ جديد،
من وجعٍ كان يريد أن يسمّيني.
أنا ابنُ تاريخٍ خجول،
يتوارى كلّما سُئل عنه،
أحمل ميلادي كجرحٍ جميل،
لا يُشفى
لأنه لم يُفتح في يومٍ معلوم.
وكلّما سألوني:
متى وُلدت؟
أشير إلى قلبي وأقول:
في المرّة التي نجا فيها الليل
من أن يبتلعني كاملًا،
وفي كلّ مرّة
لم أعرف فيها التاريخ،
لكنّي عرفت
أنني هنا
بالخطأ…
وبالضرورة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى