
من أنت الآن؟
بعد أن مرّت بك الحياة لا كطريقٍ يُسلك، بل كبحرٍ ابتلع منك أشياءً لم يعد قادرًا على ردّها…
بعد أن وقفت على أطلال أمنياتك مرةً بعد مرة، حتى صار قلبك يعرف شكل الخسارة قبل وقوعها…
بعد أن تعلّمت بالصمت ما لم تعلّمك إيّاه الكلمات، وبالخذلان ما لم تعلّمك إيّاه الكتب، وبالفقد ما لم تعلّمك إيّاه الأعوام…
من أنت؟
أتعرف؟
أخشى أن الإنسان لا يشيخ من عدد السنين التي عبرته، بل من عدد الأشياء التي ماتت فيه ولم يجد وقتا لدفنها.
فكم من ضحكة وُوريت التراب وهي ما تزال على الشفاه، وكم من حلم انكسر حتى صار صاحبه يخاف أن يتمنى، وكم من قلبٍ ظلّ نابضا في الظاهر، بينما أنهكته الحروب التي لم يرها أحد.
ثم تمضي الأيام…
فتسلب منك يقينا بعد يقين، وحلما بعد حلم، وشخصا بعد شخص،
حتى لا يبقى منك إلا ذلك الجزء الذي رفض السقوط رغم كل شيء.
وما أقسى أن يكتشف المرء في آخر الطريق أن أعظم الفواجع لم تكن فيما فقده…
بل في الإنسان الذي فقده من نفسه.
ذلك الذي كان يثق بسهولة، ويفرح بسهولة.
ذلك الذي خرج ذات يومٍ لملاقاة الحياة، فعاد منها محمّلا بما لا يُروى.
فمن أنت الآن؟
أأنت مجموع ما نجا منك؟
أم مجموع ما هلك فيك؟
أم أنك ذلك الأثر البعيد الذي تركته المعارك على روح كانت يوما أكثر خفّة ونورا مما هي عليه اليوم؟
لا أدري…
لكنني أعلم أن بعض الناس لا تغيّرهم الأيام.
بل تعيد خلقهم من وجعهم خلقا آخر.
أ.أ.إ.م