رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب :أردوغان وإسرائيل… بين التصعيد الخطابي وحدود القوة

مع كل خطاب جديد للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد الحكومة الإسرائيلية، يتجدد السؤال: هل نحن أمام تحول استراتيجي في السياسة التركية، أم أن الأمر لا يتجاوز تصعيدًا سياسيًا وإعلاميًا محسوبًا؟ والإجابة لا تكمن في متابعة التصريحات وحدها، بل في قراءة موقع تركيا في النظامين الإقليمي والدولي، وفهم طبيعة المصالح التي تحكم حركتها.

منذ اندلاع الحرب على غزة، تبنى أردوغان واحدًا من أكثر المواقف الرسمية حدة في إدانة السياسات الإسرائيلية، ورفع سقف خطابه إلى مستوى غير مسبوق. غير أن قراءة هذا الخطاب بمعزل عن السياق الاستراتيجي قد تقود إلى استنتاجات متسرعة. فتركيا ليست دولة تتحرك بمنطق الشعارات، بل قوة إقليمية تمتلك جيشًا كبيرًا، واقتصادًا مؤثرًا، وعضوية في حلف شمال الأطلسي، وعلاقات متشابكة مع الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا والعالم العربي. لذلك فإن قراراتها تخضع لحسابات دقيقة توازن بين المبادئ والمصالح.

يدرك أردوغان أن الحرب على غزة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى معركة على الشرعية السياسية والأخلاقية والقانونية. كما يدرك أن إسرائيل تواجه اليوم مستوى غير مسبوق من الانتقادات والعزلة الدولية، وأن الرأي العام العالمي، حتى داخل الدول الغربية، لم يعد ينظر إلى ما يجري بالمنظار نفسه الذي كان سائدًا في السابق. ومن هنا، يسعى إلى توظيف هذا التحول لتعزيز مكانة تركيا بوصفها قوة إقليمية تدافع عن الحقوق الفلسطينية، وتطمح إلى لعب دور محوري في رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد.

لكن هذا لا يعني أن أنقرة تتجه نحو مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل. فالدولة التركية تدرك أن أي صدام من هذا النوع ستكون له تداعيات إقليمية ودولية هائلة، وقد يهدد مصالحها الاقتصادية والأمنية، ويضعها في مواجهة مع حلفائها الغربيين. لذلك، فإن أدواتها الأساسية تظل سياسية ودبلوماسية وقانونية، من خلال الضغط في المحافل الدولية، ودعم جهود المساءلة القانونية، والمساندة الإنسانية والسياسية للشعب الفلسطيني، والعمل على رفع الكلفة السياسية لاستمرار الحرب.

وهنا ينبغي التمييز بين الخطاب والاستراتيجية. فالخطاب قد يكون حادًا، لكن الاستراتيجية تقوم على توظيف هذا الخطاب لخدمة أهداف بعيدة المدى، تتعلق بإعادة تموضع تركيا في الإقليم، وتعزيز استقلالية قرارها، وتأكيد حضورها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.

وفي المقابل، تدرك إسرائيل أن تركيا ليست خصمًا عابرًا. فهي دولة تمتلك أدوات تأثير سياسية واقتصادية وعسكرية، وتحظى بحضور واسع في العالم الإسلامي، كما أن علاقاتها مع الغرب تمنحها قدرة على التأثير في كثير من الملفات. لذلك، فإن التصعيد المتبادل بين الطرفين سيبقى، على الأرجح، ضمن حدود الصراع السياسي والدبلوماسي، ما لم تقع تطورات استثنائية تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بتركيا وحدها، بل بمستقبل النظام الإقليمي برمته. فقد كشفت الحرب على غزة عن تصدعات عميقة في بنية النظام الدولي، وعن تراجع فاعلية المؤسسات الدولية في فرض القانون وحماية المدنيين، كما أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التحالفات، وحدود النفوذ الأمريكي، وصعود أدوار القوى الإقليمية.

في هذا السياق، تحاول أنقرة أن تقدم نفسها باعتبارها أحد أقطاب المرحلة المقبلة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية، وحضورها الاقتصادي، وشبكة علاقاتها المتوازنة مع الشرق والغرب. غير أن نجاح هذا المشروع لا يتوقف على الإرادة التركية وحدها، بل يرتبط أيضًا بطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وبمسار الحرب في غزة، وبقدرة الدول العربية والإسلامية على صياغة رؤية مشتركة تتجاوز ردود الأفعال إلى بناء استراتيجية إقليمية متماسكة.

وهنا تبرز حقيقة كثيرًا ما تغيب عن النقاش؛ وهي أن تركيا، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تحل محل النظام العربي، ولا أن تقود المنطقة منفردة. كما أن الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر وقطر ودول الخليج، تمتلك من عناصر التأثير السياسي والاقتصادي ما يجعل أي مشروع إقليمي ناجح رهينًا بالتكامل والتنسيق، لا بالمنافسة أو السعي إلى الهيمنة.

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المنطقة لا يتمثل في البحث عن دولة تقود الآخرين، بل في بناء شراكة إقليمية جديدة، تقوم على احترام السيادة الوطنية، وتنسيق المصالح، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وصياغة رؤية مشتركة للأمن والاستقرار والتنمية. فالتحديات التي تواجه الشرق الأوسط أصبحت أكبر من أن تتصدى لها دولة واحدة، مهما امتلكت من إمكانات.

لقد أثبتت الحرب على غزة أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لفرض الوقائع، وأن الشرعية السياسية والأخلاقية باتت عنصرًا حاسمًا في معادلات القوة. كما أثبتت أن الرأي العام العالمي، والإعلام، والقانون الدولي، أصبحت جميعها ميادين صراع لا تقل أهمية عن ميادين القتال.

من هنا، فإن تصريحات أردوغان ينبغي أن تُقرأ بوصفها جزءًا من معركة سياسية ودبلوماسية طويلة، وليست إعلانًا عن حرب وشيكة. فقيمتها لا تُقاس بحدة مفرداتها، وإنما بمدى قدرتها على التحول إلى سياسات عملية تسهم في وقف العدوان، وتعزيز المساءلة الدولية، وتهيئة الظروف أمام حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة. فما بعد حرب غزة لن يكون كما قبلها، سواء في صورة إسرائيل، أو في مكانة الولايات المتحدة، أو في أدوار القوى الإقليمية، أو في وعي الشعوب. وستكون الدول التي تحسن قراءة هذه التحولات، وتبني سياساتها على أسس استراتيجية، هي الأقدر على التأثير في مستقبل المنطقة.

أما تركيا، فإن نجاحها لن يقاس بعلو صوت خطابها، وإنما بقدرتها على تحويل مواقفها إلى إنجازات سياسية ودبلوماسية ملموسة، ضمن شراكة عربية وإسلامية واسعة، تضع المصالح المشتركة فوق الحسابات الضيقة، وتجعل من القضية الفلسطينية مدخلًا لإعادة بناء نظام إقليمي أكثر توازنًا وعدالة.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تكون الحرب على غزة بداية لشرق أوسط جديد، تُبنى فيه العلاقات على القانون والعدالة والشراكة، أم أنها ستكون مجرد محطة أخرى في مسلسل الصراعات المفتوحة؟ إن الإجابة لن تصنعها التصريحات وحدها، بل ستصنعها إرادة الدول، ووحدة الشعوب، وحكمة القيادات، وقدرتها على تحويل لحظة الألم إلى فرصة لصناعة مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وعدالة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى