كتاب وشعراء

سَطْوَةُ المَكانِ وَالزَّمانِ في بَعْثِ فِعْلِ «اِقْرَأْ».. قِراءَةٌ في الذَّاكِرَةِ الثَّقافِيَّةِ لِلفَضاءِ العَام.. بقلم الكاتب: محمد عدنان بن مير

لا يولد فعل القراءة في فراغٍ معزول، ولا يتشكّل الوعي المعرفي بعيدًا عن شروطه الاجتماعية والتاريخية، بل هو نتاج تفاعل حيّ بين الإنسان وفضائه، حيث يمارس المكان سلطة رمزية قادرة على الاستدعاء والتحفيز، ويمنح الزمان للفعل الثقافي عمقه واستمراريته. فالكتاب، مهما بلغت قيمته الفكرية، لا يتحوّل إلى ممارسة ثقافية فاعلة إلا إذا وجد سياقًا يحتضنه، وفضاءً يسمح له بالانتقال من الرفوف إلى الوعي الجمعي.

لقد عرفت المجتمعات الإنسانية، عبر مسارها الحضاري، أماكن تحوّلت إلى مزارات للقرّاء والمفكرين والمثقفين، حيث لم يكن الكتاب مجرّد سلعة تجارية، بل عنصرًا فاعلًا في المشهد اليومي، ووسيطاً للتفاعل الحضاري، وأداة لتراكم الذاكرة الثقافية. وفي هذا الإطار، شكّلت الأسواق التقليدية، والساحات العامة، والشوارع الثقافية، فضاءات التقت فيها المعرفة بالحياة، وامتزج فيها فعل اقرأ بالزمن الاجتماعي.

وفي السياق الجزائري والعربي، تبرز نماذج دالّة على هذه العلاقة الجدلية بين المكان والزمان، من سوق الحجر بالطيبة ورقلة بما يحمله من رمزية ثقافية وسياحية، إلى ساحة البريد المركزي بالجزائر العاصمة، وصولًا إلى شارع المتنبي في بغداد الذي مثّل أيقونة عربية للفعل الثقافي المفتوح. هذه الأمكنة، رغم اختلافها الجغرافي، تشترك في كونها فضاءات مارس فيها المكان والزمان دورًا حاسمًا في بعث القراءة وترسيخها.

وانطلاقاً من ذلك، تطرح هذه الورقة الإشكاليات الآتية:  

كيف يسهم المكان والزمان في بعث فعل اقرأ وتحويله إلى ممارسة اجتماعية؟ وما الذي جعل بعض الفضاءات العامة تتحوّل إلى مزارات ثقافية؟ ولماذا تراجع هذا الدور في الزمن الراهن؟ وكيف يمكن اليوم إعادة تفعيل المقروئية وبعث الفعل الثقافي انطلاقًا من المكان والزمان؟

أولاً: المكان بوصفه حاضناً للذاكرة الثقافية وفعل القراءة

لا يُعدّ المكان مجرّد إطار جغرافي محايد، بل هو وعاء رمزي يحمل قيم المجتمع وتمثلاته الثقافية. فعندما يتحوّل الفضاء العام إلى مجال مفتوح لتداول المعرفة، يُعاد تشكيل وعي الفرد بالكتاب، وتتحوّل القراءة من فعل نخبوي محدود إلى ممارسة اجتماعية متاحة.

وقد شكّلت ساحة البريد المركزي بالجزائر العاصمة مثالاً حيَّاً على ذلك، حيث كانت الكتب القديمة والمصنفات والتراجم تُعرض في قلب المدينة، فتتحوَّل الساحة إلى مكتبة مفتوحة، وملتقى غير رسمي للقرّاء والمهتمين. في هذا الفضاء، لم يكن القارئ يبحث عن كتاب فحسب، بل كان يتفاعل مع ذاكرة ثقافية متراكمة تجعل من القراءة فعلًا جماعياً يتجاوز الفرد.

ثانياً: سوق الحجر بالطيبة ورقلة والمكان كجسر للتقارب الحضاري

في بلدة الطيبة بولاية ورقلة، مثّل سوق الحجر فضاءً ثقافياً وسياحياً بامتياز، حيث كانت تُباع الحجارة الصحراوية المعروفة بوردة الرمال، إلى جانب كل ما هو تقليدي ومرتبط بعادات وتقاليد المنطقة. لم يكن السوق مجرّد فضاء للتبادل التجاري، بل حاملاً للهوية المحلية وواجهة للثقافة الصحراوية.

وقد أسهم هذا الفضاء في بعث الفعل السياحي، وجعل من المكان نقطة التقاء بين ثقافات مختلفة، مما عزّز التقارب الحضاري بين الشعوب. وفي هذا السياق، يتجلّى دور المكان في خلق علاقة غير مباشرة مع المعرفة، حيث يتحوّل فضول الزائر إلى مدخل للاطلاع والقراءة في تاريخ المنطقة وتراثها وخصوصياتها الاجتماعية.

ثالثاً: الزمان والحنين الثقافي إلى الزمن الجميل

يرتبط فعل القراءة ارتباطًا وثيقًا بالزمان، إذ تكتسب الممارسة الثقافية معناها من السياق التاريخي الذي تحتضن فيه. فالحديث عن الزمن الجميل لا يعبّر فقط عن حنين عاطفي، بل يحيل إلى مرحلة كان فيها الكتاب جزءاً من المشهد اليومي، وكانت الفضاءات العامة حاضنة للفعل الثقافي.

لقد أسهم تلاقي المكان مع زمن الانفتاح الثقافي والسياحي في تحويل بعض الفضاءات إلى ذاكرة حيّة للقراءة، حيث كان تداول الكتب، وتبادل الأفكار، والتفاعل مع الآخر، جزءاً من الحياة الاجتماعية، لا نشاطاً هامشياً أو معزولاً.

رابعًا: شارع المتنبي في بغداد نموذجاً لبعث الفعل الثقافي

يُعَدُّ شارع المتنبي في بغداد من أبرز النماذج العربية التي تجسّد التلاحم بين المكان والزمان في بعث فعل القراءة. فهذا الشارع ليس مجرّد سوق للكتب، بل مؤسسة ثقافية مفتوحة، وذاكرة حيّة للفكر العربي، حيث تتجاور المكتبات، وتلتقي النخب الثقافية، ويتحوّل يوم الجمعة إلى طقس قرائي جماعي.

في هذا الفضاء، يستعيد الكتاب مكانته في المجال العام، ويغدو الحوار حوله جزءاً من المشهد اليومي، فتُبعث القراءة بوصفها ممارسة اجتماعية حيّة. وقد أسهم تراكم الزمن الثقافي في هذا المكان في ترسيخ رمزيته، وجعله قبلة للقرّاء والكتّاب من داخل العراق وخارجه.

خامساً: نحو تفعيل دور المكان والزمان في بعث المقروئية

إنَّ بعث فعل اقرأ في الواقع المعاصر لا يتحقّق بالخطاب الوعظي أو المبادرات الظرفية فقط، بل يستوجب إعادة الاعتبار للمكان والزمان كآليتين ثقافيتين. فتهيئة الفضاءات العامة لتكون حاضنة للكتاب، وربط القراءة بمواسم وطقوس ثقافية مستمرة، من شأنه أن يعيد للقراءة بعدها الاجتماعي.

كما أن استثمار الذاكرة الرمزية للأماكن، وربط الكتاب بالهوية المحلية، يُسهم في تحويل المقروئية من فعل فردي معزول إلى ممارسة جماعية متجذّرة في الواقع.

يتبيّن من خلال ما سبق أن المكان والزمان يشكّلان البنية العميقة لفعل القراءة، وأن بعث فعل اقرأ لا ينفصل عن الفضاء الذي يُمارس فيه، ولا عن الزمن الذي يمنحه الشرعية والاستمرارية. لقد مثّلت فضاءات مثل سوق الحجر بورقلة، وساحة البريد المركزي بالجزائر العاصمة، وشارع المتنبي ببغداد، ذاكرة حيّة لعلاقة المجتمع بالكتاب، حيث كانت القراءة فعلاً تلقائيا وجزءاً من الحياة اليومية.

غير أن التحوّلات الراهنة تفرض تحديات جديدة، تجعل من الضروري إعادة التفكير في دور الفضاء العام، وفي السياسات الثقافية الكفيلة بإعادة الاعتبار للكتاب. ومن هنا، يظلُّ السُّؤال مفتوحاً:  

**كيف يمكن اليوم إعادة بعث فعل اقرأ في ظل تحوّلات المكان والزمان، وبأيَّة آليات يمكن استرجاع الدور الثقافي للفضاءات العامة في بناء مجتمع قارئ؟

*بقلم الأستاذ محمد عدنان بن مير 
كاتب وباحث مفكِّر 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى