دراسة نقدية مختصرة في قصيدة “الشّوارِعُ الجَانبيّةْ” للشاعر المصري القدير عباس محمود عامر.. بقلم الأديبة الناقدة: عبير عيد

الشّوارِعُ الجَانبيّةْ
للشاعر.عباس محمود عامر
“مصر”
لَذْعَةُ المُزْ
تمْنَحُنِي دِفْئَةً أسْتَردُّ بهَا مُهْجَتِي
فيِ رَبِيعِ العَربْ ..
بعْدَ انْفِجَارِ النّيَازكِ
هَزَّ شُموخَ الوجُومِ الّذِى
سَحَلَ الأروَاحَ بأيْدٍ مكَبّلةٍ بارْتعَاشِ الهَيُوبْ
تقْذفُهَا أقْدَامٌ ضَلّتْ مَرْمَى الخُصَمَاءْ ..
كُرةُ الرُّوحِ
فَاضَتْ
صَارتْ حُمَمَاً
تتَعَبّأُ
تُطْلَقُ فيْنَا لسَيْلِ الدّمُوعِ التِي لمْ تَجفْ ،
وانْدفَاع الهُروبْ
أعلَنُوا أنَّ الميْدَانَ مزَارٌ لأضْرِحَةِ الشُّهَداءْ ،
والمَجْدُ أبْرَاجٌ للفُلُولِ،
ومتْرَاسٌ للدِّمَاءْ
– لا يَصحُّ الصّفَاءْ ..
وَخَمٌ مِنْ أفْوَاهِ الخنّاسِينْ
سَمَّمَ الأجْوَاءَ وكلَّ الرَّوافدِ
تبْقىَ الحُقولُ مرَاغاً مدَنَّسَةً للثَّعَالبِ
في حَلَكٍ يتَوَاصلُ
يوْماً
فَشَهْراً ،
فَدَهْراً ،
تُحَرِّزُنَا في أقْصَى المتَاهةِ أذْرِعَةُ الأُخْطُبُوطْ ْ
صَارتْ وثَاقاً يصَفِّدُنَا
إلى أنْ تَمزَّقَ فيْنَا قَوَامُ السّكُوتْ ..
لَذْعَةُ المُزْ
تمْنَحُنِي دفْئَة ًأسْتَردُّ بهَا مُهْجَتِي
في رَبيعِ العَربْ
نَفيقُ مِنْ سَكْرةٍ بزَغَتْ في النُّخَاعِ ،
فَنَرْقُصُ في هَوَسِ البُلَهَاءْ
كانَ الضّحكُ عَزيزَاً وجَميلاً ،
وجَنيناً في رَحِمِ الكَبْتْ
صَارَ سَلِيلاً منْقُوصَاً
يتملْمَلُ بينَ رُؤُوسٍٍ
هَلعَتْ مِنْ ظُلمَاتِ الصَّمْتِ
كانَ الصَّمْتُ عَويْلاً ..
منْ شَارع جَانبي
في غُفْل كاللّصْ
البَاعة ُفي الثّوْرَاتِ يَبيْعُونَ الأطْلالْ
تتَسَلّقُ سَقْفَ البَيْتِ المتشَابكِ بالأغْصَانْ
تنْسِلُ الأفْنَانَ وتصْعدُ
غُصْناً
غُصْناً
تطْرقُ طرْقاً عَتيّاً
تتْركُ شَجّاً في رأس ِالشّمس ِ
ينْزفُ خَسْفًا يَرْتعُ فيْه الليْلُ مدَارَاً
كانَ الليْلُ غبيّاً ..
مِنْ شَارع جَانِبيٍّ
دَامِرٌ أدْمَنَ الشّرَ في حَانَاتِ المَأجُورِينْ
في الظّلْمةِ يَوْقِدُ نَارَاً في شَجرَاتِ الزّيْتُونْ ،
وإطَارَاتِ الزَّمَنِ المذْهُولْ
يحْرَقُ كُلَّ حصُون ٍ
عاشَتْ قَبَسَاً للضّوءْ
يلْوي أعْنَاقَ نَخِيلٍ
كانتْ في خُيَلاءٍ تَرْفَعُ أوْسِمَةً للأرْضِ
قِطَافَاً مَدِيَداً ..
– هلْ يُمْكِنُنَا أنْ نَتَرجَّلَ في الطُّرقاتِ ،
وتلْهُو الأطْفَالُ فِي صَحْنِ الميْدَانِ،
وتحْلمُ ..؟
– حُلْماً بَعيدَاً .. !!
أعنابٌ تَتَفَتَّتُ بيْنَ الثَّرَى ،
فنَلْعَقُ هَذا التّرابَ الشَّهِيّ
نَترنّحُ
تَسْقُطُ مِنَّا الشُّعْلَةُ فِي هَوَسٍ
تنْطَفِأْ
تَحتَ الأقدَامِ التِي هَرْوَلتْ مِنْ بَطْش ِالعَسَسْ ..
مِنْ جَدِيدٍ قد يبْدأُ الكَرُّ والفَرُّ لَيْلَ نَهَار
قَدْ تَعْلُو صَرخَاتُ الصّحْوةِ
في ميْدَانِ الشُّهَداءْ …
********
هذا النص غنيٌّ بالصور الشعرية المكثَّفة واللغة الرمزية، ويجسِّد تجربةً مريرةً للحياة في الشوارع الجانبيَّة بعد الثورة، مملوءة بالعنف والفقد والخراب، لكنه لا يخلو من وميض أمل أو ذاكرة للجمال الماضي. سأقدّم لك تحليلاً مفصّلاً ونقداً أدبياً:
تحليل النص
الموضوع والمغزى
النص يعكس تجربة الإنسان في شوارع مصر بعد الثورة، بين العنف، الخراب، والأمل المتأرجح. هناك تصادم دائم بين الماضي الجميل “ضحك الأطفال، الرقص، الضحك العزيز” والحاضر المليء بالفوضى والظلام، فيعكس مأساة المدينة والفقد الاجتماعي والإنساني.
اللغة والأسلوب
أسلوب حر وشاعري حداثي، بعيد عن الوزن والقافية التقليدية، يميل إلى التجريب الرمزي والصوري.
استخدام التكرار والإيقاع الداخلي، مثل: “لذعة المز تمنحني دفء…” في مطلع ونهاية النص، يعطي إحساساً بالدوامة النفسية والتكرار التاريخي للأحداث.
المزج بين اللغة المجازية القاسية “كرة الروح فاضت صارت حمماً” واللغة الواقعية اليومية “الباعة، الشوارع الجانبية”، يخلق تبايناً مؤثِّراً.
الصور الفنية والرمزية
“النار، الحمم، الثعالب، الأُخطبوط”: رموز للعنف، السيطرة، وتهديد الإنسان.
“الشوارع الجانبية” و”الميدان مزار لأضرحة الشهداء”: رموز للتناقض بين الحياة اليومية والذاكرة الوطنية، بين الفقد والمعركة.
الأطفال والحلم: يرمزون للأمل والبراءة التي تتعرَّض للتهشيم وسط الفوضى.
الهيكل والتنظيم
النص طويل ومفتوح البناء، أشبه برؤية تيار وعي شعري.
تتنقل الجمل بين الوصف المكثَّف للواقع “الفوضى، الظلم، الخراب” والتأمُّل الذاتي “الذكريات، الحلم، الطفولة”.
هناك تكرار شعوري وإطار دائري: يبدأ النص بـ “لذعة المز تمنحني دفء…” وينتهي بتكرار مشابه، ما يبرز الاستمرارية في الصراع النفسي والاجتماعي.
الجانب العاطفي والتأثير
النص مؤلم، يعكس صدمات الحاضر، الفقد، والخوف، لكنه يترك مساحة لتوهُّج الذكريات والأمل.
الأسلوب الرمزي المكثَّف يجعل القارئ يعيش المشهد ويشعر بالضياع والاندفاع بين العنف والجمال.
الناقدة عبير عيد