
عزيزي القارئ، هل تشعر أن الأيام تمر عليك بسرعة وتضيع منك؟
توقف قليلاً واسأل نفسك وكن صريحا معها:
– ما هو السبب وراء هذا التسارع والضياع؟
هل السبب هو الروتين اليومي والتكرار الذي تعيشه، أم الانشغال الزائد، أو تقدم العمر، أم أنه غياب للإدراك و الحضور الذهني (Mindfulness) ؟
أعزائي القراء، لا يمكننا أن ننكر أن عقولنا صارت تزدحم بالمعلومات، وقلوبنا أصبحت تضج بالتطورات، لكن يبدو أن شيئًا ما بدأ يغيب عنا بهدوء، شيءٌ اسمه الوعي (Consciousness) . لا أقصد هنا بغياب الوعي “الغيبوبة أو السُبات” (Coma) ، وإنما “التغييب المؤقت للقدرة على التعبير والإدراك”. ولعل من أهم أسباب هذا الغياب تشتت الذهن جراء ضغوطات الحياة ومتطلباتها.
لعلكم تتساءلون.. هل من طريقة لاسترجاع الوعي؟
بالعادة، لا يُسترجع الوعي دفعة واحدة، بل يُعاد إلينا لحظة بلحظة عبر الانتباه لما يحدث حولنا. وغالبا ما يتم استرجاعه من خلال الوصول إلى اللحظة الحاضرة التي نعيشها، والجمع بين ثلاثية الحضور: عبر العودة إلى الجسد، وتنشيط العقل، وتغذية الروح.
دعونا نتساءل بصراحة ونجيب بصدق:
– هل حقًا نحن نُفكر جيداً قبل أن نقول شيئاً؟
– هل ندرك نتيجة ما نقوم به من أفعال؟
– هل ندرك ونتابع ما يجري حولنا؟ أم أننا فقط نُجيد تكرار الأقوال والأفعال كما يفعلها الآخرون، كأننا نرث أشياءهم، نقلدهم في تكرار ما يفعلون دون معرفة مسبقة بها أو تفكير في نتائجها.
– أليس الواجب علينا أن نكون أصحاب تفكير فيما نقول وأصحاب قرار فيما نفعل؟
– هل فعلاً نحن مدركون أن المعرفة أساس الوعي، والوعي أساس الإدراك، والإدراك أساس الحكمة، والحكمة أساس السلوك الرصين والقرار الصائب؟
صحيح أنني لست متشائما لحدٍ كبير من الإجابات لكنني أيضاً لست متفائلاً كثيراً، لأننا وبصراحة شديدة فقدنا الكثير من الوعي والإدراك في هذا العالم المتسارع والمكتظ بعد أن أصبحت أيامنا مجرد ركض لاهث وراء الوسائل وتجاهل شبه متعمد للغايات. للأسف صرنا نتطلع للمال أكثر من أنفسنا، ونعظم الذكاء حتى لو كان سلبياً، ونُجافي التفكير بحكمة.
هل من أحد منكم يشاركني الرأي بأن استعادة ما تسرب منا من وعي والحفاظ على ما تبقّى منه مهما كان ضئيلاً بات من أهم ما يجب علينا فعله لاستعادة البقية الباقية من إنسانيتنا في زحمة هذا العصر.
ليس من الصواب أن نقول إن في زحمة الحياة لم يتبقَ شيء من الوعي المطلوب إلا عند من رحم ربي، وأن الوعي أصبح عبئاً كليلاً على صاحبه، بل علينا أن ندرك أن القليل الصادق منه، خير من كثيره المُزيّف.
من الطبيعي جداً أن يكون هنالك اختلاف بالتفكير وتعارض بوجهات النظر بيننا نحن البشر، وعلينا احترام ذلك الاختلاف والتنوع بالآراء، لكن أليس من المنطق والإدراك الحقيقي لحاضرنا المحزون أن نوحد الصف ونتفق على أساسيات الأمور على أقل تقدير؟
ما أحوجنا في هذا العصر أن نكون واعيين لما يدور حولنا، وألا ندع لحظات الغفلة والتردد تجعلنا عِبرة لا ينفع معها الندم.
ما أحوجنا في هذا العصر أن نُحيي ما تبقى فينا من وعي لمواجهة موجات الغلو، وسعار التحريض، أن نُفرق بين الغث والثمين في دعوات التحرر ومقارنة الأديان، وأن نكون سداً منيعاً أمام حملات التجهيل وتصنيع التفاهة التي راحت تزدهر أمام أعيننا في وسائل التواصل.
ما أحوجنا في هذا العصر إلى تجميل عقولنا قبل بيوتنا لأن الاهتمام برقي العقل والوعي والمعرفة بات أهم وأبقى من الاهتمام بالمظاهر الخارجية والزخارف المادية.
ما أحوجنا في هذا العصر إلى الرأفة ببعضنا البعض.. الرأفة في الحديث، الرأفة في الفعل، الرأفة في التمسك، والرأفة حتى في التخلي.
أعرف أن كثيرين منكم يتساءل الآن بينه وبين نفسه عن مقاصدي فيما أقول وإلى ماذا أشير
أبداً، كلماتي هذه هي مجرد دعوة صادقة وصريحة لي أولاً ولمن يود للحظة وعي نرجح فيها كفة العقل على كفة القلب، دعوة لتثقيل كفة التفكير أكثر من كفة العواطف. دعوة للعيش في لحظة وعي نُطلق فيها العنان لعقولنا بالتفكير الحر دون الخوف من الآخر، فقد تكون أمامنا فرصة – من ممكن أن تكون الأخيرة – في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
كلماتي هذه هي دعوة لأن نصنع أنفسنا بأيدينا لا بأيدي الأخرين، كي لا نعيش بجلباب هم أخاطوه لنا وألبسونا إياه مجبرين.
هي دعوة لأن نقف واعيين في وجه كل هذا العبث في حياتنا، في وجه كل من يحاربنا بأرزاقنا، بأولادنا، وبمعتقداتنا؟
نعم لحظة وعي تبدأ من كل فرد فينا، من كل بيت، من كل مؤسسة.. لحظة نسترجع فيها فهمنا وإدراكنا لِما حولنا.. لحظة نخلع فيها رداء الاستضعاف، ونرتدي فيها رداء القوة والإيمان بمواردنا وقدراتنا.
دعونا نتأمل ونفكر فيما نحن فيه من يسر وعسر، ننظر إلى أنفسنا ومجتمعنا بعيونٍ صادقة لا تخشى المواجهة ولا تهاب قول الحق.
ليس من الضروري أن نفصح عن كل ما نعرف، لكنه من الضروري جدا أن نعرف ماذا ومتى نقول ونفعل.
دعونا نبدأ يومنا هذا بوعي، ونقضيه بتخطيط. كي تُزهر أيامنا القادمة ونعيش فيها قادة حقيقين لأنفسنا ولمن حولنا.
نعم لنبدأ واعيين…ونستمر.. كي ننجح.