حسام السيسي يكتب :عندما تلد القنابل قنابل: درس كوريا الشمالية الذي لم تفهمه أمريكا في إيران

كلما اشتدت وطأة القصف على إيران، وكلما اقترب مشروع “تسويتها بالأرض” من التحقق، يعود بي الذهن إلى مشهد آخر، في زمن آخر، وفي بقعة أخرى من العالم. كوريا الشمالية، منتصف القرن الماضي، لم تكن مختلفة كثيراً عما تمر به طهران اليوم. كانت جحيمًا أمريكياً مفتوحاً.
لكن ما لم تفهمه واشنطنولا يبدو أنها فهمته حتى الآنهو أن تسوية بلد ما بالأرض لا تعني أبداً تسوية إرادته. بل غالباً ما تعني العكس: تحويل ذلك البلد إلى قنبلة موقوتة بانتظار من يفجرها.
عندما قال ترومان: “القصف النووي قيد النظر”
الحرب الكورية (1950-1953) لم تكن مجرد حرب بالوكالة. كانت معملاً لتجربة أقصى درجات العنف الأمريكي. القوات الجوية الأمريكية أسقطت أكثر من 635 ألف طن من القنابل على كوريا الشمالية. قارن هذا الرقم بـ 503 آلاف طن أسقطتها أمريكا على كامل مسرح المحيط الهادئ في الحرب العالمية الثانية. كل بلدة، كل جسر، كل مصنع، كل سد. تم تدمير كل شيء.
وفي ذروة الجنون، صرّح الرئيس هاري ترومان علناً بأن استخدام القنبلة الذرية في كوريا “كان قيد النظر النشط”. لم تكن تهديداً عابراً. كان إعلان نية. كوريا الشمالية لم تكن تملك آنذاك حتى مسدساً يردع به هذا التهديد. كانت عارية تماماً أمام المطرقة النووية.
تلك الصدمة وأنا أسميها صدمة البقاءهي ما شكلت الوعي الكوري الشمالي لعقود. الوعي الذي يقول: “لن نعتمد أبداً على وعد أحد بحمايتنا. إما أن نمتلك الردع النهائي، أو نُسحق مرة أخرى.”
لسنوات، تظاهرت كوريا الشمالية بأن برنامجها النووي “سلمي”. والمفارقة أنها كانت صادقة في البداية. لكن في عام 2003، حدث ما غير كل شيء: الغزو الأمريكي للعراق. واشنطن غزت بلداً ليس لديه أسلحة دمار شامل، بحجة أنه يمتلكها. درس بسيط وواضح: امتلاك السلاح قد يجعلك هدفاً، لكن عدم امتلاكه يجعلك فريسة مؤكدة.
في عام 2006، وبينما كان جورج دبليو بوش يقود “حفلة جنون عالمية” لتدمير مدن أفغانستان والعراق، حولت كوريا الشمالية برنامجها السلمي إلى خط إنتاج للقنابل النووية. أول تفجير نووي في أكتوبر 2006 كان الإعلان الرسمي: “لن نكون أبداً مجرد هدف مرة أخرى.”
منذ ذلك الحين، أصبحت بيونغ يانغ تمارس أسلوباً فريداً في الردع: الاستعراض السنوي. كل عام، صاروخ جديد. كل عام، تجربة نووية جديدة. ليس لأنها بحاجة إلى إثبات أي شيء لنفسها، بل لأنها تريد أن ترسل رسالة واحدة لا تقبل التأويل:
“حتى التفكير بارتكاب الخطأ بحقنا سيكون مميتاً ونهائياً.”
إيران اليوم: على مشارف نفس المنعطف
الآن، انظر إلى إيران. ما الذي تراه؟ حرب أمريكية إسرائيلية مفتوحة، وتهديدات بـ”تسوية طهران بالأرض”، وبرنامج نووي يُقصف ويُدمر علناً. كل الأطراف تتحدث عن “إنهاء القدرات الإيرانية”. لكنهم جميعاً يغفلون عن حقيقة وحيدة:
الضغط العسكري الشامل لا يؤدي أبداً إلى تخلي بلد عن حلم الردع النووي. بل على العكس، هو الوصفة الأكيدة لتحويل ذلك الحلم إلى هوس.
إيران اليوم أمام خيارين فقط:
· إما أن تستسلم وتصبح مثل ليبيا (التي تخلت عن برنامجها النووي ثم قُصف قائدها ومزقت دولتها)،
· أو أن تفعل ما فعلته كوريا الشمالية: تحويل الألم إلى قوة، والدمار إلى ردع.
لن تختار إيران الاستسلام. ليس لأنها “شجاعة”، بل لأن العقل الإيراني الاستراتيجي يعرف أن الاستسلام في ثقافة القوة الغربية يعني الموت البطيء. الردع النووي، مهما كان جنونياً، يضمن البقاء.
مستقبل الحرب: حصص متساوية من الموت والتدمير
السيناريو الذي أراه بوضوح متزايد هو التالي:
هذه الحرب—الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية—لن تنتهي بانتصار عسكري حاسم لأي طرف. ستنتهي عندما تصل إيران إلى قناعة واحدة، وستعلنها بطريقتها الخاصة:
“أي اعتداء جديد على إيران سيؤدي إلى توزيع الموت والتدمير بشكل متساوٍ وهستيري بين المعتدي والمعتدى عليه.”
لن تكون هذه مجرد تهديد. ستكون عقيدة. مثل كوريا الشمالية بالضبط، ستحول إيران صواريخها التقليدية إلى رؤوس نووية، وستجعل من جيرانها وأعدائها رهائن دائمين. ليس لأنها تريد ذلك، بل لأنهم لم يتركوا لها أي خيار آخر.
العالم يتعجب الآن: “كيف تحولت كوريا الشمالية من دولة مدمرة إلى قوة نووية?” والإجابة بسيطة: أمريكا قصفتها بشراسة لم يسبق لها مثيل، ثم تركتها تتألم لعقود تحت العقوبات، ثم فاجأتها بغزو العراق. كل هذا العلم يقول لأي دولة مهددة بالدمار: لا تثق بأحد. لا تتخلى عن برنامجك النووي أبداً.
إيران ترى هذا كله. وهي تتعلم. وما يحدث اليوم في سمائها وأرضها هو بالضبط آخر درس يحتاجونه لاتخاذ القرار النهائي.
عندما تنتهي هذه الحرب، قد لا نرى إيران منهزمة. قد نرى إيران جديدة: أكثر صمتاً، أكثر قسوة، وأكثر استعداداً لتذكير العالم بأن من يلعب بالنار في الشرق الأوسط… قد يجد نفسه فجأة يعيش في عصر نووي جديد. وهذا العصر، بمجرد أن يبدأ، لا ينتهي.