
ــــــــ” إذا أعتنقت طبقة من اللصوص أسطورة فانتظروا مذبحة، أو ما هو أسوأ من ذلك: ولادة دين جديد.”* أميل سيوران، روائي ومفكر روماني.
عندما يخلق اللص اسطورة عقيدة يحول السرقة الى فكرة او قضية والحق في ممارسة العدوان والعنف لكن النتيجة حتماً ستكون مذبحة لأنه من المستحيل التوافق على أسطورة جماعة تدور حول الثروة والسلطة وعندما تتحول الى دين جديد تصبح قانوناً وعرفاً مغطى لذلك تظهر الاعلام والرموز والشعارات والأهازيج لتحويل العنف الأهوج الى طقس بطولي مشرعن.
عندما تصبح القوة هوية، وحسم الخلاف بالرصاص، والاحتكام للسلاح كتعبير عن الهيبة، فلا تتوقع ان هذا المجتمع يفلت يوماً من النهايات المأساوية، لكن المفارقة يتحول المختلف بالكلمات المسالمة هو المشكلة ويتحول الى تهديد وهذه معايير المجتمع الذي يقيس الخطأ والصواب بناء على رأي الجماعة لا على أساس العقل والمنطق والعلم.
شرعية الحقيقة من الاجماع العام ـــــــــــــ جذرها اللغوي جماع على ذمة محمود درويش ــــــــ ومن التوافق وليس من الحقيقة ذاتها ومن يغرد خارج السرب ولو بالكلمات يوصم بالجنون وبالخطر وبالمرض والسوء وهذا يتطابق مع ما قاله الروائي روبرت بيرسون:
” “إذا أصاب الوهم شخصاً يسمى المجنون، وحين يصيب جماعة يسمى عقيدة”.
عندما تركض حشود غفيرة خلف شخص أو جماعة بالرصاص يسمى موقفاً بصرف النظر عن من يكون الشخص أو الجماعة، وعندما يتحاشى هؤلاء المواجهة ويغادرون منطقة الخطر يتحولون الى جبناء. من وضع هذه المعايير المقلوبة الاجرامية ومن يتبناها؟
ماذا حدث بعد الاحتلال؟ الانتقال من السلطة التوتالتارية الشمولية التي تحتكم للعنف والقسوة والرصاص الى المجتمع التوتاليتاري الشمولي ، من دكتاتورية الفرد الى دكتاتورية الجماعة.
في النظام السابق كانت الدكتاتورية تمارس عنفها في السجون غالباً لكن دكتاتورية الجماعة اليوم تمارسه في الهواء الطلق في أجواء من الزهو والمرح والهيجان الذي يعكس جنون الحشود التي تحول الجبن الداخلي الى شجاعة عندما تفشل في حوار العقل والمنطق.
من قرارات القصر الرئاسي الى قرارات قائد الجماعة أو من مضيف الشيخ، ومن حفلات الاعدام للرفاق الى حفلات الرصاص للعشيرة. لم يعد السلاح دفاعاً عن الحدود بل صار مكياجاً للشجاعة الوهمية والوجاهة والاستعراض.
في واحدة من هذه المشاهد كان في الحشود أطفالاً وفتياناً مسلحين يطلقون الرصاص مع الاهازيج وهذا يعني اننا أمام توريث للعنف الأهوج وقتل لكل فرصة مستقبل مع ان الطفل الذي يحمل السلاح ويركض هو طفل مشوه ومجرم قادم واذا عرفنا ان هؤلاء بالملايين فنحن لسنا أمام أفراد بل أمام نظام مستقبلي أكثر وحشية من الدكتاتورية التي كانت تمارس الجريمة وتحاول الحفاظ على المظاهر.
الفتيان والاطفال الذين يحملون السلاح ويطلقون الرصاص بطقس احتفالي سعيد محاكاة لأخلاق ومراجل الكبار، هؤلاء سوف لن يحلوا مشاكلهم مع الاطفال في المدرسة وكرة القدم والشارع والسوق بغير السلاح وتم خلق الجيل الذي لا يحاور بل يحارب لا من اجل العدالة بل من اجل الهيبة لانه لم يتعلم ان الهيبة تاتي من المعرفة والعلم والنبل والعقل والمنطق واحترام الحياة في الاقل.
من رحم هذه العقلية والثقافة وطقوس العنف تمت” ولادة الذئب” أو الجيل الذي سيلتهم الجميع يوماً بحكم قانون القوة نفسه.
ليست قصة “فشل أمني” كما يحاول البعض تصوير هذه الحالة بل هو العرض الذي يكشف عن مرض عميق، فقاعة البحيرة ليست القاع، بل هي انهيار منظومات القيم وغياب تقاليد الحوار وتحويل القوة الى بطولة وجنون الحشود الى عقيدة والهذيان الى منطق وهذه علامات ثابتة عبر التاريخ لانهيار الدول بانهيار المعايير العامة وهيمنة المعايير الفردية.