
في الأمسِ
لم أكن أقطفُ النجمات،
بل كنتُ أستردُّ
ما تبعثرَ من روحي
على سقفِ الكون.
كنتُ أجمعُ الصمتَ
في أوعيةٍ شفافة،
وأضعهُ على رفوفِ القلب
كي يتخمّرَ
ويصيرَ حكمة.
فالليلُ ليس ظلامًا
كما يظنُّ العابرون،
الليلُ معملُ الأسرار،
وفي أقبيةِ عتمته
تنضجُ الكلماتُ
قبل أن تولدَ على الشفاه.
وأنا،
من خيطِ غيابٍ
وإبرةِ شوق،
حيكتُ لغتي،
ثم أطلقتُها طيورًا
تبحثُ عن نافذةٍ
في جدارِ العالم.
أما المدى
فلم يكن مسافة،
بل امتحانًا
بين ما نريد
وما نستطيع.
ولهذا كنتُ أصوغُ ألحاني
من كسرِ المسافات،
لا من أوتارِ العود.
وحينَ مرَّ الصبحُ
متكئًا على وردة،
سألتهُ أن ينسيني.
فضحكَ الضوء،
وقال:
إن الأشياءَ التي تسكنُ القلب
لا تغادره،
إنها فقط
تبدّلُ أسماءها.
فأرسلتُ الفجرَ
إلى العيونِ المعتّقةِ
بخمرِ التأمل،
ليغسلَ زجاجها
من غبارِ الانتظار،
ويرشَّ على القلوب
بذورَ معنى
تنبتُ إذا بكى الإنسان.
وكان حرفي
يغمزُ على حافةِ الفنجان،
كأنَّ اللغةَ
تسخرُ من جديّةِ الحزن،
وكأنَّ المرارةَ
تحتاجُ أحيانًا
إلى ابتسامةٍ صغيرة.
وفي البعيد،
كانت كرومُ الرمان
تصرخُ بلا صوت،
فالثمارُ أيضًا
تعرفُ أن النضجَ
نوعٌ من الجرح.
وتمايلَ الجسدُ
على موسيقى الرغبة،
لا لأنه فرح،
بل لأن كلَّ كائنٍ
حين يضيقُ به المعنى
يلجأُ إلى الرقص.
وسقطتْ عبايةُ النخل،
لا خجلًا،
بل لأن الطبيعةَ
حين تبلغُ ذروةَ صدقها
تتخففُ من الأقنعة.
وسال العسلُ
من الجهاتِ جميعًا،
فعرفتُ أن الجمال
ليس ما نراه،
بل ما يجعلنا
أكثر قدرةً
على احتمالِ العالم.
شعر: حامد الضبياني