قراءة في قصيدة: “دُلّنِي على طريق” للشاعر المصري القدير: أشرف ياسين شبانة.. بقلم الأديبة: نجاح الدروبي

دُلَّني على طريق..!
شعر: أشرف ياسين شبانه
دُلَّنِي عَلَىٰ طَرِيْق،
عَلَىٰ مَوْتٍ يَلِيق
دُلَّنِيْ كَيْفَ أُمَازِحُ أَلسِنَةَ اللهَبِ
وَأَحتَضِنُ الحَرِيق
أَيَا صَدِيق؛
كَيْفَ أَنْجُو مِنَ البَرِيق،
وَأَصِلُ إِلَيْك
أَكُوْنُ مَعَك.. حَوَالَيْك
كَيْفَ أَجْعَلُ هَذَا الجِّدارَ..
يَنْهَار؛
ليَأخُذَ النَّهَارُ،
نَفَسَاً عَمِيقْ
دُلَّنِيْ كَيْفَ أَزْرَعُ الصَّبْرَ..
عَلَىٰ أرصِفَةِ الزَّمَنِ؛
لأَشَفَىٰ مِنَ الوَهَن
كيْفَ أَسْتَنْسِخُ العُمْرَ؛
لِأَعْبُرَ المِحَنِ؛
رُغْمَ أَنْفِ الصَّفِيْق
دُلَّنِيْ كَيْفَ التَّحلِيْق
كيفَ أُلَوِّنُ الهَوَاءَ بأَلْفِ لونٍ
وَأَعبرُ ألَفَ كَوْنٍ
كيْفَ لِأَلْفِ ألْفِ يَوْمٍ..
بِرِئَةِ غَرِيْق؛
أَخْتَزِنُ الشَّهِيْق
أَخْبِرنِيْ عَنِ التَّابُوْتِ،
وَالكَافُوْرِ وَالحَنوْط
عَنِ المِسْكِ وَالرَوحِ و الرَّيْحَانِ
عَنْ رِمسٍ يَفُوْحُ بالرَّحِيْق
عَلِّمنِي كَيْفَ أَمُوْتُ..
كَالأَشجَارِ وَاقِفَاً،
سَاجِدَاً.. عَاكِفَاً..
بِالأَقْصَىٰ العَتِيْق
فَأَنَا يَا شَقِيْق؛
وَإِنْ كُنْتُ لَا حَوْلَ لِيْ
فَلَا مَوْتَ يَحلُوْ لِيْ؛
إِلَّاْ بِجنازٍ أنِيق.
القراءة النقدية:
تنتمي قصيدة «دلَّني على طريق» للشاعر المصري أشرف ياسين شبانة إلى الشعر الوجداني الملحمي، وتمثِّل صرخةً قويةً ونداءً روحيَّاً لرفض الهوان والوصول إلى الهدف المتمثِّل بعدالة القضية من خلال فعل الأمر “دُلَّني” الذي يُعَدُّ منطلقاً للكشف عن أبعاد صوفيَّة وقوميَّة عميقة. فالشاعر لا يلجأ إلى الخطب والشعارات الرنَّانة، وإنما يبني نصَّه على مواقف عمليَّة وصور حركيَّة تتميَّز بالإقدام والتضحية، متَّخذاً من ثنائية “الموت والحياة” إطاراً للتعبير عن أسمى معاني المقاومة من أجل المكان ومدى تجذُّره به، لذا يبدأ قصيدته بجملة إنشائية تعني التضرُّع والالتماس والاسترشاد بعيداً عن الأمر الحقيقي.
تندرج القصيدة في بنائها الفني والموسيقي ضمن شعر التفعيلة لاعتمادها على التفعيلة المرنة، ما أعطى الشاعر حرية تدفُّق المشاعر وتصعيدها بما يتناسب مع حالة التوق والانعتاق.
كما يتميَّز النصُّ بإيقاع موسيقي وجداني هادئ، يعتمد على تكرار الأفعال الاستفهامية والتفعيلات المتنوِّعة، ما يضفي أجواءً من الشجن والتأمُّل. وتساهم القافية الموحَّدة في خلق تناغم صوتي يُبرز حالة اللهفة والنجاة التي يطلبها أشرف شبانه.
كذلك استخدم الشاعر نظام “التدوير” ببراعة (تقسيم الجملة الشعرية على سطرين)، مع توظيف قوافٍ داخلية موسيقية رنَّانة (طريق، يليق، حريق، صديق، بريق) تضفي إيقاعاً سريعاً يعكس نبض القلب المتسارع، ويجسِّد تعامل الشاعر مع القضية
بمسؤولية كبيرة.. انطلاقاً من قوميته الأصيلة القائمة على روابط مشتركة. كقوله في البيت قبل الأخير: (بالأقصى بالبيت العتيق)، حيث يُسقط كل معاني الإيثار والبطولة والتضحية على قضية محورية، ليصبح الموت دفاعاً عن الأماكن المقدِّسة وكرامة الأمة أفضل سبيل. فيما تتجلَّى عزة النفس بقوله: “فلا موت يحلو لي إلا بجناز أنيق”، دلالة على المواجهة والشهادة في سبيل الأرض ورفض الموت الذليل.
أيضاً اتَّضح البعد الصوفي “الوجداني والروحي” في البحث عن المرشد: من خلال تكرار الفعل “دُلَّنِي”، وهو نداء المتصوِّف للرفيق الروحي الذي يأخذ بيده من أجل الوصول إلى الحقيقة المطلقة.
ويتمثَّل البعد الصوفي أيضاً في التجرُّد وتجاوز الماديات كقول الشاعر: “كَيْفَ أَنْجُو مِنَ البَرِيق”، إشارة إلى الترفع عن الماديات المحسوسة المتمثلة ببريق الدنيا وفتنتها للوصول إلى النور الإلهي الحقيقي.
وكثيراً ما نقرأ في القصيدة رغبةَ الشاعر في الموت “واقفاً، ساجداً عاكفاً” والتطهر بـ “التابوت، الكافور، الحنوط، والريحان” ليعكس مفهوم الفناء الصوفي، حيث الموت هو قمة الارتقاء واللقاء بالخالق.
فيما يتجلى البعد القومي العميق في الإقدام والصمود وكسر القيود، وذلك عندما طلب الشاعر تجاوز “الجدار العنصري” ورفضه وزراعة الصبر على “أرصفة الزمن” رمزاً لمقاومة الاحتلال ومواجهته، والتشبُّث بالأرض الفلسطينية وبالمقدَّسات رغم المحن، حتى نيل الشهادة في سبيلها فالاستشهاد هو الذي يليق به كمناضل، ويتجسد ذلك جلياً في قوله “بِالأَقْصَىٰ العَتِيْق”، ما يربط التضحية بالبعد العقائدي والوطني الأسمى في وجدان الأمة.
الكرامة في المقتل: التمسك بـ “جناز أنيق” هو رفض للذل والهزيمة، وإصرار على أن تكون التضحية تليق بقدسية المكان (المسجد الأقصى) وعدالة القضية.
أيضاً استخدم الشاعر الاستعارة التجسيمية مثل: (أزرع الصبر على أرصفة الزمن)، حيث جسّد المعنوي اللا محسوس (الصبر) في صورة المحسوس (نبات يُزرع)، ليؤكِّد على التجذُّر والثبات، وأدخل التناص الديني في قوله: (عن المسك والروح والريحان)، وقوله (كالأشجار واقفاً، ساجداً عاكفاً)، ليرتقي بصورة الموت من مجرد فناء إلى “استشهاد” مقدَّس.
والشاعر يتوق للانعتاق من قيود الواقع الأليم وقيود الجسد، راغباً في الطيران نحو عوالم أرحب عندما قال: (لأكون معك حواليك).
لذا تفيض القصيدة بالشجن وتجمع بين التوق للحرية، والتأمُّل العميق في الموت، والرغبة في التسامي والارتقاء من خلال المفردات والصور البلاغية الساطعة:
-“أَمَازِحُ أَلسِنَةَ اللهَبِ، أَحتَضِنُ الحَرِيق”: استعارة تشير إلى الشجاعة وتحدِّي الصعاب (اللهب) والتعايش مع الألم والمحن (الحريق) حتى يصبح احتضانها أمراً مألوفاً.
-البريق: يرمز هنا إلى بريق الدنيا الزائف، والنجاة منه تعني البحث عن الحقيقة والعمق الروحي.
-الجِّدار: يرمز إلى قيود الاحتلال وعوائقه النفسية والجسدية التي تمنع الشاعر من الوصول إلى هدفه، وانهياره يعني الانعتاق.
-أَرْصِفَةِ الزَّمَنِ: دلالة على الانتظار الطويل، والتمسُّك بالأمل رغم قسوة الأيام وعابري السبيل.
-الوَهَن: الضعف والتعب النفسي أو الجسدي الذي يحاول الشاعر التغلُّب عليه بالصبر.
-بِرِئَةِ غَرِيْق: صورة دالة على شدَّة المعاناة، وصعوبة التقاط الأنفاس في ظلِّ الظروف القاسية.
-“التَّابُوْتِ، الكَافُوْرِ، الحَنوْط، المِسْكِ”: مفردات ترتبط بمراسم تكريم وتجهيز الموتى، وتمتزج بالروح والريحان للدلالة على السكينة والموت في سبيل هدف عظيم.
-أَشجَارَاً وَاقِفَة”: تشير إلى التماهي مع جذور الأرض السليبة، والموت بشموخ وعزَّة وعبادة، وهو قمَّة التسامي الروحي الذي يطمح إليه الشاعر. إطاراً للتعبير عن أسمى معاني البطولة والتضحية في رحاب “الأقصى العتيق”.